خبير عسكري وأمني
منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، كانت العلاقة مع الاتحاد السوفيتي ثم مع روسيا علاقةً تحكمها حسابات المصالح الاستراتيجية أكثر مما تحكمها الشعارات السياسية. فقد سعت الثورة الفلسطينية إلى امتلاك أدوات القوة التي تمكنها من فرض معادلات ردع جديدة، إلا أن السلاح الذي وصل إليها ظل محكوماً بسقوف سياسية رسمتها موسكو وفق رؤيتها لموازين القوى في الشرق الأوسط.
وأستذكر هنا حادثة تعود إلى أواخر عام 1978، عندما كان الرئيس الراحل ياسر عرفات في دمشق أثناء مناقشة صفقة تسليح سوفيتية للدولة السورية. وضمت الصفقة عدداً من الرشاشات المتوسطة من عيار 12.5 ملم من طراز “دوشكا”، والتي كانت تُثبت على ناقلات الجنود المدرعة. وبحسب ما جرى تداوله آنذاك، فقد رأى الجانب السوري أن هذه المنظومة أصبحت قديمة وطالب بإخراجها من الصفقة، فتدخل الرئيس أبو عمار مقترحاً تحويلها إلى الثورة الفلسطينية، إلا أن الجانب السوفيتي رفض ذلك، مبرراً موقفه بأن الثورة الفلسطينية ليست قادرة على استيعاب هذه الكمية الكبيرة من السلاح.
قد تختلف الروايات حول تفاصيل هذه الحادثة، لكنها تعكس حقيقة سياسية ثابتة، وهي أن موسكو كانت تحتفظ دائماً بحقها في تحديد مستوى القوة الذي تسمح بوصوله إلى حلفائها، بما يضمن عدم الإخلال بالتوازنات التي تراها منسجمة مع مصالحها.
واليوم، وبعد عقود، يتكرر المشهد بصورة مختلفة مع إيران. فعلى الرغم من الشراكة السياسية والعسكرية بين موسكو وطهران، فإن روسيا لم تُقدم على تزويد إيران بأكثر التقنيات الجوية تطوراً، وظلت بعض المنظومات والمقاتلات الحديثة موضع تردد وتأجيل، وهو ما يعكس أن القرار الروسي لا تحكمه التحالفات وحدها، بل حسابات دقيقة تتعلق بتوازنات الإقليم وعلاقات موسكو مع مختلف الأطراف.
ومن هنا تبرز مسألة تستحق التأمل، وهي أثر البعد الديني والثقافي في رؤية الدولة الروسية المعاصرة. فمنذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، استعادت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية مكانة مؤثرة في الخطاب الوطني، وأصبحت الأرثوذكسية أحد مكونات الهوية الروسية الحديثة، إلى جانب القوة العسكرية والدولة المركزية.
غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن السياسة الخارجية الروسية تُدار على أساس عقائدي ديني، وإنما يمكن القول إن هذا البعد الثقافي يمنح القيادة الروسية تصوراً خاصاً لدور روسيا باعتبارها قوة حضارية مستقلة، تسعى إلى حماية مصالحها ونفوذها، وتتعامل مع صراعات الشرق الأوسط من منظور يوازن بين الأمن والمصلحة والنفوذ.
ومن هذه الزاوية، يمكن تفسير حرص موسكو على عدم السماح لأي طرف بتحقيق تفوق استراتيجي كامل يغير قواعد اللعبة في المنطقة. فروسيا تبدو معنية ببقاء ميزان القوى قائماً، لأن هذا الميزان يمنحها دور الوسيط والقوة المؤثرة، ويحافظ على حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي في الشرق الأوسط.
إن فهم السياسة الروسية لا يكتمل إذا اقتصر على قراءة التحالفات العسكرية أو المصالح الاقتصادية فقط، بل يتطلب أيضاً دراسة الخلفية التاريخية والثقافية والدينية التي تشكل جزءاً من هوية الدولة الروسية الحديثة. غير أن العامل الحاسم في النهاية يبقى هو منطق الدولة ومصالحها الاستراتيجية، وهو المنطق الذي يفسر كثيراً من مواقف موسكو، سواء تجاه القضية الفلسطينية، أو الصراع الإيراني–الإسرائيلي، أو مجمل التوازنات في المنطقة العربية.
ويبقى الشرق الأوسط، في الرؤية الروسية، ساحةً لإدارة التوازنات أكثر منه ساحةً لحسم الصراعات، وهي رؤية قد تفسر كثيراً من السياسات التي انتهجتها موسكو خلال العقود الماضية، والتي ما زالت تلقي بظلالها على حاضر المنطقة ومستقبلها.