السياسي -متابعات
في مواسم الكوتور الأخيرة، بدا واضحاً أن دور الأزياء العالمية لم تعد تكتفي بتقديم فساتين جميلة أو تطريزات متقنة، بل تتجه نحو بناء “منحوتات قابلة للارتداء”. من Ashi Studio إلى Manish Malhotra, مروراً بـ Iris van Herpen وغيرهم من الأسماء التي تقود المشهد الإبداعي اليوم، نشهد تصاعداً لافتاً للأزياء ذات الطابع الهيكلي التي تعتمد على الأحجام المبالغ بها، الخطوط الحادة، الكورسيهات المعمارية، والأقمشة التي تُشكَّل كما لو أنها أعمال نحتية.
هذه الصيحة لا تُعد مجرد موضة عابرة، بل أصبحت لغة بصرية جديدة في عالم الكوتور، حتى إن كثيرين باتوا يرون فيها التوجّه الأكثر تأثيراً في الموضة الراقية حالياً.

دانا الملا ربيع 2026 Dana AlMulla
عندما تتحول الأزياء إلى عرض مسرحي
ما يميّز هذا التوجّه هو أنه لا يتعامل مع الجسد كقاعدة تُغطّى بالقماش، بل كمساحة تُبنى حولها الأشكال. نرى تنانير تبدو كقباب هندسية، أكتافاً ترتفع كأجنحة، وخامات تُطوى وتُثبَّت بطريقة تمنحها بُعداً نحتياً واضحاً.
النتيجة هي إطلالات تحمل طابعاً مسرحياً بامتياز؛ فحين تظهر عارضة ترتدي فستاناً هيكلياً على منصة العرض، لا ينجذب الجمهور إلى التطريز فقط، بل إلى “المشهد” كاملاً. وهنا تكمن قوة هذه الصيحة: إنها تُصنع لتُرى، وتُصوَّر، وتُتداول بصرياً.
في زمن أصبحت فيه الصور والفيديوهات القصيرة هي الوسيلة الأساسية لاستهلاك الموضة، باتت الإطلالات الهادئة أقل قدرة على جذب الانتباه مقارنة بتلك التي تخلق لحظة بصرية فورية.

آشي استوديو ربيع 2026 Ashi Studio
لماذا يوجد إجماع عالمي على هذه الصيحة؟
رغم اختلاف خلفيات المصممين وثقافاتهم، فإن عدداً كبيراً منهم يتجه اليوم نحو البناء المعماري نفسه، ويمكن تفسير هذا “الإجماع العالمي” بعدة عوامل:
1. تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
الإطلالات الهيكلية تحقق انتشاراً هائلاً على إنستغرام وتيك توك لأنها تُقرأ بصرياً خلال ثوانٍ. فستان ذو كتفين منحوتين أو ذيل دائري ضخم يترك أثراً فورياً، حتى من دون معرفة اسم المصمم.
2. عودة الكوتور إلى دوره الاستعراضي
بعد سنوات هيمنت فيها مفاهيم “العملية” و”الرفاهية الهادئة”، عاد الكوتور ليؤكد أنه مساحة للخيال والابتكار، لا مجرد نسخة فاخرة من الملابس اليومية. الجمهور يبحث مجدداً عن الإبهار، ودور الأزياء تستجيب لذلك.
3. التقاطع مع العمارة والفن
كثير من المصممين يستلهمون أعمالهم من العمارة الحديثة، النحت، والتصميم الصناعي. لذلك تبدو بعض القطع أقرب إلى منشآت فنية منها إلى فساتين تقليدية.
4. تطور التقنيات
الخامات الحديثة، والدعامات الخفيفة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وتقنيات القص الدقيقة سمحت بابتكار أحجام معقدة كانت شبه مستحيلة قبل سنوات، من دون أن تصبح القطعة ثقيلة بشكل مفرط.

عزيز ريبار ربيع 2026 Aziz Rebar
ماذا تعكس هذه الإطلالات؟
الأزياء الهيكلية لا تعكس الفخامة فقط، بل تحمل رسائل نفسية وثقافية واضحة:
- القوة: الخطوط الحادة والأكتاف البارزة تمنح حضوراً سلطوياً يشبه الدروع المعاصرة.
- الثقة: ارتداء قطعة لافتة بهذا الحجم يتطلب جرأة، لذلك ترتبط هذه الإطلالات بالشخصيات الواثقة.
- التحرر من القواعد: فهي لا تحاول تنحيف الجسم أو إخفاء العيوب، بل تعيد تشكيل الهيئة بالكامل.
- الفردية: لأنها ترفض أن تكون “قطعة آمنة” يمكن أن يرتديها الجميع بالطريقة نفسها.
لهذا نراها كثيراً على السجادة الحمراء، وفي حفلات الجوائز، وعلى النجمات اللواتي يرغبن في صنع لحظة لا تُنسى، لا مجرد الظهور بأناقة.

مانيش مالهوترا ربيع 2026 Manish Malhotra
هل يمكن ارتداؤها كل يوم؟
الإجابة المختصرة: ليس بالشكل الذي نراه على منصات الكوتور. فالفساتين ذات البنية النحتية الكاملة صُممت للمناسبات، التصوير، والعروض، لا للحياة اليومية. فهي قد تكون:
- محدودة الحركة،
- صعبة الجلوس أو القيادة بها،
- غير عملية في الطقس الحار،
- وتتطلب تنسيقاً دقيقاً مع الإكسسوارات والحذاء.
لكن هذا لا يعني أن الصيحة غير قابلة للتطبيق خارج الكوتور.
الصيحة الهيكلية في عالم الكوتور ليست مجرد مبالغة جمالية، بل تعبير عن تحوّل أعمق في طريقة فهم الموضة اليوم. إنها موضة تُصنع للكاميرا بقدر ما تُصنع للمرأة، وتجمع بين العمارة، النحت، والمسرح في قطعة واحدة.
ورغم أن النسخ الكاملة منها تبقى حكراً على السجادة الحمراء وعروض الأزياء، فإن روحها انتقلت بالفعل إلى خزائننا اليومية عبر القصات المنظمة، الأكتاف المحددة، والكورسيهات الناعمة.

آيريس فان هيربين ربيع 2026 Iris Van Herpen