الأقصى تحت الحصار: أخطر مخطط أمريكي–إسرائيلي لابتلاع القدس

بقلم :م.محمد علي العايدي

لم يعد المسجد الأقصى بالنسبة للمشروع الصهيوني مجرد موقع ديني أو رمز تاريخي، بل بات عنواناً مركزياً لمعركة الهوية والسيادة والرواية في فلسطين. وما كشفه موقع «ميدل إيست آي» حول مخطط أمريكي–إسرائيلي لإنهاء الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى، وتأسيس إدارة إسرائيلية تُحوِّله إلى “مقدس مشترك” للديانات الثلاث، ليس مجرد تسريب سياسي عابر، بل حلقة خطيرة في مشروع متكامل يستهدف تصفية الهوية العربية والإسلامية للقدس، وفرض وقائع جديدة بقوة الاحتلال والدعم الأمريكي.

إن الحديث عن “إدارة مشتركة” أو “تدوير الوصاية” بين أطراف مرتبطة بالاتفاقات الإبراهيمية، ليس إلا محاولة مكشوفة لتفكيك المرجعية التاريخية والقانونية للمسجد الأقصى، وسحب البساط من تحت الوصاية الهاشمية التي أقرتها الاتفاقيات الدولية والواقع التاريخي، تمهيداً لإضفاء شرعية سياسية ودينية على السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الحرم القدسي الشريف.

منذ احتلال القدس عام 1967، لم تتوقف الحكومات الإسرائيلية عن محاولات تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً، مستنسخةً نموذج الحرم الإبراهيمي في الخليل بعد مجزرة باروخ غولدشتاين. واليوم، يبدو أن المشروع انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة، عنوانها: إنهاء الدور الأردني، وتحويل الاحتلال من قوة اقتحام إلى “شريك إدارة” تحت غطاء أمريكي ودعم إقليمي صامت أو متواطئ.

الولايات المتحدة، التي تدّعي دوماً دور الوسيط، تثبت مرة أخرى أنها الشريك الأكبر في العدوان على الحقوق الفلسطينية. فالإدارة الأمريكية، عبر شخصيات متطرفة داعمة للاستيطان والتهويد، تدفع باتجاه تكريس السيادة الإسرائيلية على القدس، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة، وترفض أي تغيير في وضعها القانوني أو التاريخي.

إن أخطر ما في هذا المخطط ليس فقط استهداف الأردن أو الوصاية الهاشمية، بل محاولة إعادة تعريف المسجد الأقصى نفسه. فالمقصود من “المقدس المشترك” هو نزع الهوية الإسلامية الخالصة عن الأقصى، وفرض رواية توراتية مزيفة تمهد لتقسيمه أو السيطرة عليه بالكامل مستقبلاً. إنها حرب على العقيدة والذاكرة والتاريخ، وليست مجرد خلاف إداري أو سياسي.

ولذلك، فإن رفض هذا المشروع يجب أن يكون فلسطينياً وعربياً وإسلامياً شاملاً، لأن المساس بالأقصى يعني المساس بأحد أهم الثوابت الجامعة للأمة. فلا شرعية لأي ترتيبات تنتقص من حق المسلمين الحصري في إدارة المسجد الأقصى المبارك، ولا شرعية لأي تطبيع يُستخدم جسراً لتمرير مشاريع التهويد.

المطلوب اليوم ليس بيانات قلق أو شجب موسمية، بل موقف عربي وإسلامي واضح يعلن أن القدس والأقصى خط أحمر، وأن أي محاولة لفرض وقائع جديدة ستُواجَه بإرادة شعب لا يزال يعتبر القدس بوصلته الأولى. كما أن على القوى الحية في الأمة أن تدرك أن المعركة على الأقصى ليست معركة الفلسطينيين وحدهم، بل معركة هوية وكرامة ومستقبل.

لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال يبدأ بتغيير الرواية، ثم ينتقل إلى تغيير الواقع. ومن هنا، فإن الصمت على هذا المخطط يعني منح الاحتلال الوقت الكافي لتحويل أخطر أحلامه إلى حقائق مفروضة. لكن القدس التي صمدت في وجه الغزاة عبر القرون، لن تسقط أمام مخطط سياسي مهما حظي بالدعم الأمريكي، لأن الأقصى ليس ملفاً تفاوضياً، بل عقيدة متجذرة في وجدان الأمة، وقضية لن تموت ما دام في الأمة من يقول: لا لتهويد القدس، لا لتقسيم الأقصى