الأمريكيون يغادرون وطنهم – هل تغيّر الحلم

السياسي – في عامها الـ250، تواجه الولايات المتحدة واقعاً مختلفاً عما اعتادت عليه. فبعد أن كانت تُعرف دائماً بأنها “أرض الفرص” التي يتدفق إليها المهاجرون، سجّلت للمرة الأولى منذ الكساد الكبير صافي هجرة سلبياً، أي أن عدد من غادروها أصبح أكبر من عدد من دخلوا إليها.

لكن اللافت، بحسب تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، ليس فقط تشديد قوانين الهجرة وترحيل المهاجرين غير النظاميين، بل أيضاً تزايد أعداد الأمريكيين أنفسهم الذين يختارون مغادرة بلدهم والعيش في الخارج.

التقرير يوضح أن الحكومة الأمريكية لا تملك منذ خمسينيات القرن الماضي إحصاءات دقيقة حول عدد مواطنيها الذين يستقرون خارج البلاد. ومع ذلك، فإن بيانات من أكثر من 50 دولة – مثل تصاريح الإقامة وشراء المنازل وتسجيل الطلاب – تشير إلى موجة خروج غير مسبوقة، سواء للدراسة أو العمل أو التقاعد.

وتشير تقديرات “معهد بروكينغز” إلى أن الولايات المتحدة خسرت في 2025 نحو 150 ألف شخص أكثر مما استقبلت، مع احتمال ارتفاع الرقم في 2026. كما انخفض عدد الوافدين إلى ما بين 2.6 و2.7 مليون شخص في 2025، بعدما كان قد وصل إلى نحو 6 ملايين في 2023.

وبحسب بيانات وزارة الأمن الداخلي، شهد العام الماضي 675 ألف حالة ترحيل، إضافة إلى 2.2 مليون مغادرة ذاتية. في المقابل، ذكرت “وول ستريت جورنال” أن ما لا يقل عن 180 ألف أمريكي انتقلوا في عام واحد إلى 15 دولة فقط توفرت بشأنها بيانات، وهو رقم مرشح للزيادة مع صدور إحصاءات دول أخرى.

ولا يوجد رقم نهائي لعدد الأمريكيين المقيمين خارج البلاد، لكن التقديرات تتراوح بين 4 و9 ملايين شخص. ويعيش نحو 1.6 مليون منهم في المكسيك وفق تقديرات 2022، وأكثر من 250 ألفاً في كندا، وأكثر من 325 ألفاً في المملكة المتحدة، ضمن ما يزيد على 1.5 مليون في أوروبا.

البيانات تظهر أن أوروبا أصبحت الوجهة الأبرز، فقد ارتفع عدد الأمريكيين في البرتغال بأكثر من 500% منذ جائحة كورونا، وزاد بنسبة 36% في 2024 وحدها. كما تضاعف تقريباً عددهم خلال 10 سنوات في إسبانيا وهولندا، وتجاوز الضعف في التشيك.

وفي 2025، انتقل إلى ألمانيا عدد من الأمريكيين أكبر من عدد الألمان الذين انتقلوا إلى الولايات المتحدة. كما استقبلت أيرلندا 10 آلاف أمريكي في عام واحد، أي ضعف عددهم تقريباً في العام السابق.

ولا يبدو أن هذا التوجه مؤقت. فقد ارتفعت طلبات التخلي عن الجنسية الأمريكية بنسبة 48% في 2024، مع تراكم الطلبات لفترات طويلة، كما سجل الأمريكيون أعلى عدد طلبات للحصول على الجنسية البريطانية منذ بدء تسجيل البيانات، إضافة إلى أرقام قياسية في الحصول على جوازات السفر الأيرلندية.

البيت الأبيض يرى أن الاقتصاد الأمريكي قوي، وأن السياسات الحالية أسهمت في ضبط الهجرة وجذب أثرياء للاستقرار في البلاد. لكن مقابلات أجرتها الصحيفة مع أمريكيين يعيشون في الخارج تكشف أسباباً مختلفة.

كثيرون تحدثوا عن ارتفاع تكاليف المعيشة والرعاية الصحية، والقلق من الجريمة والعنف، والانقسام السياسي. آخرون قالوا إنهم يبحثون ببساطة عن نمط حياة أكثر هدوءاً واستقراراً.

بالنسبة لبعضهم، أصبح “الحلم الأمريكي” الجديد هو العيش خارج أمريكا نفسها. فهم يستفيدون من رواتب مرتفعة أو مدخرات تسمح لهم بمستوى معيشة أفضل في دول توفر خدمات صحية أقل كلفة، ومدناً أسهل للعيش، ومدارس أكثر أماناً.

في النهاية، ما يحدث ليس مجرد تنقل أفراد، بل تحول واضح في نظرة بعض الأمريكيين إلى مستقبلهم. وبينما لا تزال الولايات المتحدة وجهة جذابة لكثيرين حول العالم، يبدو أن عدداً متزايداً من مواطنيها بدأ يبحث عن حياة مختلفة خارج حدودها.