تتأسّس بعض أطروحات الفكر الثوري المعاصر على افتراضٍ مركزيٍّ مفاده أنّ التغيير الجذري لا تصنعه الجماهير بقدر ما تُنظّر له وتُديره نخبةٌ مثقفة تُعرف بـ“الأنتلجنسيا”. غير أنّ هذا الافتراض، في صيغته التي بلورها مفكرون مثل نديم البيطار، يفتح أفقاً إشكالياً مزدوجاً: فهو من جهةٍ يعيد تعريف الفعل الثوري بوصفه نشاطاً ذهنياً تقوده “بروليتاريا ثقافية”، ومن جهةٍ أخرى يربط إمكان هذا الفعل بشروطٍ موضوعية تتصل بالتخلّف لا بالتقدّم. وهنا يبدأ التوتر بين فكرة التحرير وشروط إمكانها.
إنّ مفهوم “الأنتلجنسيا” في هذا السياق لا يُرادف مجموع المثقفين، بل يُحيل إلى فئةٍ مخصوصةٍ تحمل وعياً نقدياً رافضاً للوضع القائم، وتسعى إلى تقويضه وإعادة بنائه. هذا التعريف يُذكّرنا بدور “المثقف العضوي” عند أنطونيو غرامشي، الذي رأى أنّ المثقف لا يكتفي بالتأمّل، بل ينخرط في صيرورة الهيمنة الثقافية، مُسهماً في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي. غير أنّ غرامشي، بخلاف النزعة النخبوية الصارمة، لم يفصل المثقف عن طبقته أو عن الحاضنة الاجتماعية التي تمنحه شرعيته.
في المقابل، يذهب نديم البيطار إلى أبعد من ذلك، حين يجعل من الأنتلجنسيا فاعلاً مستقلاً يكاد يحتكر الفعل الثوري، بل ويُقصي الجماهير من موقع المبادرة. وهنا يبرز التباين مع كارل ماركس، الذي جعل من البروليتاريا القوة التاريخية القادرة على التغيير، لا بوصفها كتلةً عددية فحسب، بل باعتبارها موقعاً بنيوياً داخل علاقات الإنتاج. فإذا كان ماركس قد ربط الوعي بالوجود الاجتماعي، فإنّ البيطار يقلب المعادلة، فيجعل الوعي النخبوي سابقاُ على الشرط الاجتماعي، بل ومُوجِّهًا له.
غير أنّ الإشكال الأعمق في هذه النظرية يتمثّل في ربطها بين التخلّف وإمكان الثورة. فكلما ازداد الواقع تخلفاً اقتصادياً وسياسياً ارتفعت، بحسب هذا التصوّر، فرصُ نشوء حركةٍ ثوريةٍ تقودها أنتلجنسيا طليعية. وهنا تتقاطع هذه الرؤية، على نحوٍ ملتبس، مع بعض تأملات الفيلسوف الألمانية حنة آرندت حول الثورات، حيث رأت أنّ لحظات الانهيار والفراغ السياسي تُتيح إمكان الفعل التأسيسي. غير أنّ آرندت لم تُمجّد التخلّف، بل رأت في الحرية شرطاً لقيام السياسة، لا عائقاً أمامها.
أما القول بأنّ التقدّم السياسي أي الديمقراطية يُشكّل حاجزاً أمام الثورة، فهو طرحٌ يقترب من مفارقةٍ فلسفية خطيرة: إذ كيف يمكن أن تكون الحرية عائقاً للتحرر؟ وكيف يصبح غيابها شرطاً لإمكانه؟ هنا يستدعي النقد استحضار رؤية يورغن هابرماس، الذي أكّد أنّ الفعل التواصلي، القائم على الحوار والاعتراف المتبادل، هو الأفق الأرقى للتغيير، وأنّ المجال العمومي الديمقراطي ليس نقيض الثورة، بل أحد أشكالها العقلانية المتقدّمة.
إنّ تحويل التخلّف إلى شرطٍ موضوعي للثورة ينطوي على خطر تقديس الأزمة بدل تجاوزها، وعلى نزعةٍ قد تُفضي إلى إعادة إنتاج الاستبداد باسم التغيير. فحين تُحتكر الحقيقة من قبل نخبةٍ تدّعي امتلاك الوعي الثوري، يتحوّل المشروع التحرري إلى وصايةٍ فكرية، ويغدو الشعب موضوعاً للتغيير لا فاعلاً فيه.
من هنا، يبدو أنّ الرهان الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين “نخبة” و“جماهير”، ولا في تعظيم التخلّف أو التقدّم، بل في إعادة بناء العلاقة بين الفكر والواقع على أساسٍ جدليٍّ يُنصت إلى تعقيداتهما معاً. فالثورة، في أفقها الفلسفي الأعمق، ليست انفجاراً أعمى، ولا هندسةً نخبويّة مغلقة، بل هي مسارٌ تاريخيٌّ يتشكّل عند تقاطع الوعي النقدي مع الشروط الموضوعية، في أفق الحرية لا ضدّها.
وهكذا، فإنّ الأنتلجنسيا إن أرادت أن تكون وفيةً لرسالتها لا ينبغي أن تنفصل عن المجتمع، ولا أن تُراهن على بؤسه، بل أن تُسهم في تحرير وعيه داخل شروطٍ تُمكّنه من أن يكون شريكًا في صنع مصيره، لا موضوعًا لتجارب الآخرين. فالثورة التي لا تُنضج إنسانها، تظلّ مجرّد تبديلٍ في الأدوار، لا تحوّلًا في البنى.






