السياسي – نشرت صحيفة ” الغارديان” تقريرا لمراسلتها في مقر الإتحاد الأوروبي ببروكسل جينفر رانكين، قالت فيه إن المؤسسة الأوروبية تبدو “ضعيفة وبائسة” وتساءلت عن السبب الذي لا تستخدم فيه نفوذها ضد إسرائيل وأفعالها في لبنان وغزة وضد عنف المستوطنين في الضفة الغربية. وقالت إن الجواب على هذا السؤال نابع من الإنقسامات داخل الإتحاد الأوروبي.
وذكر التقرير أن “كان الثمن الإنساني للهجمات الإسرائيلي على لبنان كان واضحا عندما زار النائب الأيرلندي في البرلمان الأوروبي باري أندروز بيروت، الشهر الماضي. فقد التقى أندروز بأشخاص فروا من الغارات الجوية الإسرائيلية على جنوب لبنان”.
وتلقى النائب معلومات عن الأوضاع في الملاجئ المؤقتة، وهي عبارة عن مدارس محولة، وكانت أسوأ مما كانت عليه خلال التوغل الإسرائيلي الأخير عام 2024. وقال، مشيرا إلى صورة البؤس التي تفاقمت بسبب التخفيضات الحادة في ميزانية المساعدات الأوروبية: “هناك مراتب وبطانيات متسخة ويصاب الناس بالعدوى والطفح الجلدي”.
وكان أندروز الذي يترأس لجنة التنمية في البرلمان، في لبنان بعد اسبوعين من دخول حزب الله الحرب إلى جانب إيران ردا على اغتيال إسرائيل المرشد الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي.
وبعد عودته من لبنان كان من أوائل المشرعين الأوروبيين لإعادة فرض العقوبات ضد إسرائيل.
ويرى أن على الإتحاد الأوروبي الرد على هجمات إسرائيل ضد لبنان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية وهجماتها ضد عمال الصحة في غزة وقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقرته الكنيست هذا الأسبوع.
وتقول الصحيفة إنه وبعد مرور أكثر من شهر على الحرب الإيرانية، لم تصدر عن الاتحاد الأوروبي، أحد أقرب حلفاء إسرائيل وأهم شركائها الاقتصاديين إلا التصريحات في محاولة للتأثير على حكومة بنيامين نتنياهو.
ويقول النقاد إن الاتحاد الأوروبي قادر، بل يجب عليه، استخدام نفوذه الاقتصادي والدبلوماسي.
وقال أندروز: “عندما يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفا مبدئيا بشأن هذه القضايا، فإن الإسرائيليين يصغون إليه”.
وأضافت أن بإمكان الاتحاد الأوروبي ممارسة ضغط اقتصادي عبر اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وهي اتفاقية تجارية وتعاونية تدعم علاقة تجارية بقيمة 68 مليار يورو (59 مليار جنيها إسترلينيا) وتعزز التعاون في مجالات تشمل الطاقة والبحث العلمي.
ويرى سفين كون فون بورغسدورف، ممثل الاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينية حتى عام 2023، أن على الاتحاد الأوروبي تعليق هذه الاتفاقية مع إسرائيل ووقف جميع أشكال الدعم العسكري ووقف التجارة مع المستوطنات غير الشرعية.
ويخشى أنه بدون اتخاذ إجراءات للدفاع عن القانون الدولي في غزة والضفة الغربية، “ستتضرر سمعة الاتحاد الأوروبي بشدة”. وقال: “إن كلمات القلق والإدانة المعتادة لا تكفي، فهي عديمة الجدوى ما لم تتبعها إجراءات فعّالة لمحاسبة إسرائيل”.
ووصف أندروز رد الاتحاد الأوروبي على الحرب على إيران والهجمات الإسرائيلية على لبنان بأنه “ضعيف ومثير للشفقة”.
وأضاف: “هذا يظهر أن إسرائيل منحت أكثر من مرة ضوء أخضر لارتكاب جرائم حرب لا حصر لها”.
ومن جانبها، أدانت المفوضية الأوروبية تصويت الكنيست على عقوبة الإعدام، التي ستطبق على الفلسطينيين دون المتطرفين اليهود، واصفة إياه بأنه “مثير للقلق الشديد” و”خطوة واضحة إلى الوراء”.
ووصفت المفوضية الأوروبية، وهي الهيئة الأوروبية لحقوق الإنسان، والذي وقع 28 معاهدة مع إسرائيل، التصويت بأنه “مفارقة قانونية عفا عليها الزمن ولا تتوافق مع معايير حقوق الإنسان المعاصرة”.
وحذر قادة غربيون إسرائيل من شن هجوم بري في لبنان وأدانوا في الوقت نفسه هجمات حزب الله على إسرائيل. وخلال الأسابيع الأربعة الماضية، قتل أكثر من 1240 شخصًا في لبنان، بينهم 124 طفلا على الأقل، بينما أُجبر أكثر من 1.1 مليون شخص على النزوح من قراهم وبلداتهم. وفي غفلة من عناوين الأخبار، قتل ما لا يقل عن 673 شخصا في غزة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي، ليرتفع عدد القتلى في القطاع المنكوب إلى 72,260 شخصا.
وترى الصحيفة أن تردد الاتحاد الأوروبي في اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل ليس بالأمر الجديد. ففي أيلول/سبتمبر الماضي، اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، فرض عقوبات غير مسبوقة على إسرائيل، مستشهدة بـ”المجاعة المصطنعة” في غزة و”محاولة واضحة لتقويض حل الدولتين” من خلال خطط الاستيطان في الضفة الغربية. وكانت فون دير لاين، وهي سياسية ألمانية محافظة، قد اتهمت سابقا بالدفاع عن إسرائيل بدون تحفظ.
ولكنها في تصريحاتها هذه كانت تستجيب لموقف شعبي واضح بشأن الفظائع التي تتكشف في غزة، حيث تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، إلى جانب دعوة أغلبية كبيرة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لمراجعة اتفاقية الشراكة.
لكن العقوبات لم تحظ بدعم الأغلبية في مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي، وتلاشى الزخم عندما أعلن ترامب خطته لوقف إطلاق النار على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر.
ورغم قلق دول الاتحاد الأوروبي بشأن الوضع الإنساني المتردي في غزة والعنف المستمر في الضفة الغربية، والذي تتهم إسرائيل بتأجيجه إلا أن الإتحاد الأوروبي متردد في اتخاذ مواقف واضحة. وقال دبلوماسي أوروبي بارز في منتصف آذار/مارس، واصفا الوضع في غزة والضفة الغربية بأنه “يثير القلق الشديد” وأننا: “قد نصل إلى مرحلة نحتاج فيها إلى زيادة الضغط على إسرائيل من جديد”.
وأشار دبلوماسيون إلى أن رد الاتحاد الأوروبي الأولي على الحرب كان حذرا، ويعود ذلك جزئيا إلى استهداف إسرائيل والولايات المتحدة لإيران، النظام الذي أدانه الاتحاد الأوروبي بشدة لارتكابه مجازر بحق شعبه ونشره الفوضى الدموية في الشرق الأوسط وأوكرانيا عبر إمدادات الطائرات المسيّرة من روسيا.
وشدد دبلوماسي أوروبي آخر، أيد مراجعة اتفاقية الشراكة في عام 2025، على أهمية الحفاظ على التواصل مع المجتمع الإسرائيلي، مستشهدا برسالة مفتوحة من 600 مسؤول أمني إسرائيلي تدعو إلى إنهاء الحرب في غزة في آب/أغسطس الماضي، وهي دعوة نشرت في الوقت الذي كانت إسرائيل تدرس فيه تصعيد الحرب على القطاع المدمر. هؤلاء ليسوا دعاة سلام، بل هم أفراد من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، قلقون للغاية بشأن سياسات حكومتهم. وعلى الاتحاد الأوروبي أن يتعامل مع هذا الأمر بشكل أو بآخر.
لكن المشكلة الرئيسية هي انقسام الإتحاد الأوروبي التقليدي من إسرائيل. فأيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا، على سبيل المثال، كانت من أشد المدافعين عن القضية الفلسطينية، بينما ترددت ألمانيا والنمسا، لأسباب تاريخية، بشدة في انتقاد إسرائيل. ومما يزيد الأمر تعقيدا، أن رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، هو الحليف الأيديولوجي لنتنياهو، وقد لعب دورا حاسما في استخدام (الفيتو) ضد إجراءات مثيرة للجدل، مثل العقوبات المفروضة على المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية. وأكد متحدث باسم المفوضية هذا الأسبوع أن التواصل الدبلوماسي مع إسرائيل مستمر، “وهذا ما نفعله مع شركائنا المعتادين عندما لا نتفق في وجهات النظر”.
ويدعو كون فون بورغسدورف، المبعوث السابق للاتحاد الأوروبي، إلى اتباع نهج أكثر حزما، فـ “كيف يمكن أن يخدم هذا أوروبا عندما ينظر إليها كحليف لرئيس أمريكي متقلب المزاج وغير موثوق به ويبدو أنه مصاب بجنون العظمة أو لرئيس وزراء إسرائيلي مشعل للحروب ومؤيد لضم الأراضي؟ لا يمكن أن يكون ذلك في مصلحة أوروبا، لأنه يأتي على حساب العلاقات مع أجزاء أخرى من العالم”.








