الإجراءات الأوروبية المتصاعدة ضد إسرائيل لوقف الحرب على غزة

د. راسم بشارات

المقدمة

مع اقتراب الحرب الإسرائيلية على غزة من عامها الثالث، وما رافقها من تدمير وقتل وتجويع يرتقي إلى جرائم حرب وابادة جماعية، وامتداد العنف الممنهج إلى الضفة الغربية عبر القتل اليومي للمدنيين، وتغوّل المستوطنين، وتصاعد مخططات الضم الإسرائيلي، لم يعد بالإمكان تجاهل ما يحدث من تحولات متسارعة في مواقف عدد من الدول الأوروبية تجاه السياسات الإسرائيلية.

المواقف الاوروبية تجاه السياسات الاسرائيلية تنوعت، من قرارات حظر تصدير الأسلحة، إلى مراجعة الاستثمارات في الشركات المرتبطة بالاحتلال، مرورًا بالاعتراف بدولة فلسطين. لذا بدا واضحًا أن أوروبا أمام مفترق حاسم في علاقتها مع إسرائيل، خصوصًا مع تصاعد الانتهاكات التي تتعارض جوهريًا مع القانون الدولي، ومع الإجماع الأوروبي التقليدي على حل الدولتين.

وفي ظل هذه التحولات، يمكن طرح أسئلة جوهرية تسعى هذه المقالة الوصول إلى إجابات عليها:

هل ما نشهده من مواقف أوروبية هو انعطافة أخلاقية حقيقية تُنهي عقودًا من التواطؤ السياسي والدبلوماسي؟ أم أن ما يحدث ليس أكثر من محاولة لتهدئة غضب الشارع الأوروبي المتصاعد؟

وفي حال توقفت الحرب على غزة وأوقفت الحكومة الاسرائيلية سياسات الضم في الضفة الغربية ووضعت حد لاعتداءات المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين وتغولهم في أراضي المواطنين الفلسطينيين، هل تستمر أوروبا في سياساتها ضد الاحتلال الإسرائيلي، تستجمع جهودها الفعلية للوصول إلى دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧ أم تخبو وتعود إلى دبلوماسية هادئة في تبني حل الدولتين والكيل بمكيالين!.

أوروبا: تحولات غير مسبوقة
سلوفينيا: حظر رسمي للسلاح
في خطوة غير مسبوقة أوروبياً، أعلنت الحكومة السلوفينية فرض حظر شامل على استيراد وتصدير ونقل الأسلحة من وإلى إسرائيل، لتكون أول دولة في الاتحاد الأوروبي تتخذ هذا الموقف الصريح.

وأكدت الحكومة أنها ستتصرف بشكل مستقل إذا لم يتحرك الاتحاد الأوروبي جماعياً، معلنة عزمها اتخاذ خطوات إضافية ضد حكومة الاحتلال خلال الأسابيع المقبلة.

إسبانيا: مواقف سياسية متقدمة
في مقال نشرته صحيفة الباييس الإسبانية بتاريخ 28 يوليو 2025، تحت عنوان “Cerrar la herida de Palestina” (إغلاق جرح فلسطين)، طرح وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس رؤية شاملة تضمنت:

●       الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين

●       وقف صادرات السلاح إلى إسرائيل

●       اتخاذ إجراءات قانونية ضد المستوطنين

●       تعليق الاتفاقيات الثنائية مع دولة إسرائيل.

وأكد ألباريس التزام الحكومة الإسبانية بدفع أوروبا نحو حل الدولتين ووقف الحرب فورًا، واعتبر الوضع الراهن عارًا على القيم الأوروبية والضمير الإنساني.

أيرلندا: الدعوة الى تحرك قانوني دولي
عبّر الرئيس الإيرلندي مايكل هيغينز عن موقف إنساني وسياسي لافت، إذ وصف ما يجري في غزة بأنه تجويع وإبادة جماعية.

وطالب الأمم المتحدة بتفعيل الفصل السابع من ميثاقها، والذي يتيح اتخاذ إجراءات قسرية – سياسية أو عسكرية – لحماية السلم والأمن الدوليين، داعيًا إلى وقف “الفرجة على الجوع والدمار”.

النرويج: مراجعة الاستثمارات في شركات إسرائيلية
أعلن وزير المالية النرويجي عن بدء مراجعة استثمارات صندوق التقاعد النرويجي في الشركات المرتبطة بإسرائيل، في ضوء الحرب والاحتلال غير الشرعي للضفة الغربية، مؤكدًا أن بلاده تسعى لتجنب الاستثمار في أي كيان يسهم في استمرار الانتهاكات ضد الفلسطينيين.

تصاعد حدة الاعترافات بدولة فلسطين:
تعتزم دول أوروبية مثل فرنسا، مالطا، والبرتغال الاعتراف بدولة فلسطين في إطار جهد دبلوماسي موحد، قد يعيد القضية الفلسطينية إلى قلب الشرعية الدولية، ويفرض وقائع قانونية جديدة على العلاقات مع إسرائيل، خصوصًا فيما يتعلق بشرعية الاحتلال والاستيطان.

 

أسباب التحول الأوروبي:

التحول الجاري في أوروبا هو نتاج تفاعل بين عدة مكونات وعدة أسباب، يمكن القول أنه تحول داخلي أوروبي بطيء لكنه جوهري، يعكس أزمة أخلاقية في علاقة أوروبا بإسرائيل، والمكونات هي:

●       الرأي العام الأوروبي، الذي بدأ يرى بأمّ عينه ازدواجية المعايير، عمليات الابادة للمدنيين وسياسات التجويع في غزة.

●       المجتمع المدني الأوروبي، خصوصًا الحركات الطلابية والنقابات والمنظمات الحقوقية.

●       صعود قوى سياسية أوروبية جديدة غير ملتزمة تاريخيًا بالتطبيع مع إسرائيل، أهمها أحزاب الخضر، أحزاب يسارية راديكالية، وأحزاب يسارية واشتراكية تقليدية مثل حزب Sumar في إسبانيا وحزب Levica في سلوفينيا وحزب La France Insoumise في فرنسا.

●       فضائح الاستيطان الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة والفصل العنصري الإسرائيلي التي لم تعد قابلة للتستر عليها دوليًا.

أوروبا بين القيم والمصالح:
المسار الحالي الأوروبي يطرح سؤالًا استراتيجيًا: هل هذه التحركات الأوروبية ظرفية نتيجة ضغط الحرب؟ أم مقدمة لتحول دائم في السياسة الأوروبية تجاه فلسطين؟ والجواب على هذا السؤال مرهون بعدة عوامل:

  • قدرة الفلسطينيين على توحيد الصفوف وبلورة مشروع سياسي متكامل.
  • استمرار الضغط الشعبي الأوروبي الداخلي على الحكومات.
  • طبيعة ردّ إسرائيل على هذه التحركات، وهل تفتح مواجهة دبلوماسية مع أوروبا.
  • مواقف الدول الكبرى في الاتحاد مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، التي لا تزال مترددة.

كما أن القراءة السياسية للمواقف والتحركات الأوروبية الجديدة تنبع من مزيج معقّد من الدوافع،  والدوافع هي:

الدافع الإنساني: لم يعد بإمكان القادة الأوروبيين تبرير الجرائم الإسرائيلية أمام شعوبهم، خصوصًا مع تزايد مشاهد القصف والموت والجوع في غزة والاعتداءات الممنهجة من مليشيات المستوطنين المدعومة من الجيش والحكومة الاسرائيلية على البلدات والتجمعات المدنية الفلسطينية في الضفة الغربية.

الدافع السياسي: تواجه حكومات أوروبية عديدة ضغوطًا شعبية وانتخابية لوقف الحرب. فقد خرجت مظاهرات ضخمة في مدريد، لندن، باريس، برلين، بروكسل، وأوسلو، تطالب بوقف الدعم لإسرائيل وتنادي بالحرية لفلسطين.

الدافع القانوني: هناك خشية متزايدة من فقدان ثقة المجتمع الدولي بالقانون الدولي، خصوصًا إذا أفلتت إسرائيل من المساءلة رغم جرائمها الواضحة التي تنتهك القانون الإنساني الدولي وميثاق جنيف والأمم المتحدة.

الدافع الدبلوماسي: تحاول أوروبا الحفاظ على توازن دقيق بين علاقتها مع واشنطن، ودورها العالمي كمدافع عن قيم حقوق الإنسان.

لذا يمكن القول أن أوروبا تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن تتحرر من إرث التواطؤ والصمت، وتترجم شعاراتها عن حقوق الإنسان والعدالة إلى مواقف ملموسة، وإما أن تكتفي بامتصاص غضب الشارع، لتعيد إنتاج صيغ قديمة من النفاق السياسي.

 

مدى استمرار أوروبا في دعم إقامة الدولة الفلسطينية
على الرغم من أن بعض الخطوات الأوروبية، مثل الاعتراف بدولة فلسطين، تحمل بعدا استراتيجيا، إلا أن استمراريتها قد تكون غير مضمونة، فبعض الدول، مثل ألمانيا والنمسا والتشيك، لا تزال تعارض التحركات الأحادية دون موافقة إسرائيلية، مما يعكس انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.

يضاف إلى ذلك ان الاتحاد الأوروبي ككتلة لا يمتلك حتى الآن إرادة موحدة لفرض عقوبات على إسرائيل أو تجميد اتفاقيات التعاون والشراكة. فيما لا تزال الولايات المتحدة هي الطرف الأكثر تأثيرًا، وأوروبا لم تُظهر حتى الآن استعدادًا لتحدي الموقف الأميركي بشكل مباشر.

ما يجري اليوم في أوروبا فرصة تاريخية، لكنها ليست ضمانة لتغيير استراتيجي دائم. ففي حال توقفت الحرب على غزة، من المرجح أن يتراجع الزخم تدريجيًا، ما لم تتحرك القيادة الفلسطينية والعربية بشكل منسق لتحويله إلى مكسب دائم.

إذا أرادت القيادة الفلسطينية البناء على هذا الزخم، فعليها ما يلي:

●       تفعيل الدبلوماسية الفلسطينية بطرق جديدة تتجاوز الخطاب التقليدي.

●       الانخراط المباشر مع الأحزاب والبرلمانات الأوروبية المؤثرة، لا الاكتفاء بالمواقف الرمزية.

●       الاستثمار في المجتمع المدني الأوروبي الداعم لفلسطين، باعتباره رافعة ضاغطة مستدامة

لهذا في اعتقادي انه في حال توقفت الحرب، فمن المرجح أن يخبو الزخم الأوروبي تدريجيًا ما لم يتم تحويله إلى أجندة سياسية دائمة عبر تنسيق فلسطيني – عربي نشط. وإذا لم تُبذل جهود فلسطينية وعربية نشطة، فإن الزخم الأوروبي قد يتراجع مع وقف الحرب، ويعود خطاب حل الدولتين إلى مجرد تعبيرات ديبلوماسية تستخدم في اروقة البرلمان الأوروبي ولقاءات الزعماء والقادة.

النتائج المحتملة لهذا التحرك:

اولا: تصاعد عزلة إسرائيل السياسية في المحافل الدولية مع توالي إجراءات أوروبية صارمة.
ثانيا: تقليص الدعم العسكري والتكنولوجي الأوروبي لآلة الحرب الإسرائيلية تدريجيًا.
ثالثا: فتح مسارات قانونية جديدة لمحاسبة القادة الإسرائيليين على جرائم الحرب في غزة.
رابعا: استعادة مركزية القضية الفلسطينية بعد سنوات من التهميش، خصوصًا في الرأي العام الأوروبي

 

التوصيات لتحويل الزخم إلى إنجاز سياسي
في ضوء التحولات الأوروبية المتزايدة تجاه القضية الفلسطينية، وتنامي الوعي الشعبي والبرلماني بمخاطر استمرار الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه في غزة والضفة الغربية، تتطلب اللحظة الراهنة رؤية استراتيجية مزدوجة، تشمل مسارات للعمل على المستويين الفلسطيني/العربي والأوروبي، على النحو الآتي:

أولًا: على المستوى الفلسطيني والعربي
بناء خطاب دبلوماسي موحّد وفعال: تجاوز الانقسام الداخلي عبر خطاب سياسي يرتكز على لغة المصالح والقانون الدولي، ويخاطب العقل الأوروبي بلغة استراتيجية لا عاطفية فقط.
إطلاق حملة دبلوماسية منسقة مع الدول العربية الداعمة: من اجل استثمار الزخم الأوروبي الحالي في دفع مزيد من الاعترافات بدولة فلسطين، ودعم سياسات عملية كوقف تصدير السلاح وتعليق الاتفاقيات مع إسرائيل.
توظيف الاعترافات الأوروبية قانونيًا ودبلوماسيًا: من خلال تحرك فلسطيني – دولي لتوثيق الانتهاكات، وتفعيل الآليات القضائية أمام المحاكم الدولية، استنادًا إلى توصيف الاحتلال كنظام فصل عنصري و الاستيطان كجريمة حرب.
الاستثمار في المجتمع المدني الأوروبي: وبشكل خاص في صفوف الأكاديميين، والنقابات، والحركات الشبابية، لتعزيز التأييد الشعبي وجعله رافعة مستدامة للضغط على الحكومات الأوروبية.
الانفتاح على الأحزاب الحاكمة والمواقف الجديدة: وبناء تحالفات استراتيجية مع الأحزاب التي غيّرت مواقفها، خاصة في إسبانيا، أيرلندا، سلوفينيا، وبلجيكا، وتحويلها إلى داعمين دائمين للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ثانيًا: على المستوى الأوروبي والدولي
ربط علاقات الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل بشروط واضحة: مثل احترام القانون الدولي، ووقف الاستيطان، والتقيد بحقوق الإنسان، ما يفرض على إسرائيل ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا لاستمرار سياساتها الاستعمارية.
دعم إنشاء جبهة برلمانية أوروبية مناصرة لفلسطين: تضم نوابًا من الكتل التقدمية، واليسار، والخضر، تكون بمثابة صوت ضاغط داخل البرلمانات الوطنية والبرلمان الأوروبي لدعم الإعتراف بالدولة الفلسطينية.
تعزيز الدور القانوني الأوروبي في المحاسبة الدولية: عبر تبني الحكومات الأوروبية لمبادرات دعم القضية الفلسطينية أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، بما يرسخ الالتزام الأوروبي بحماية حقوق الشعب الفلسطيني.
تحصين الاعترافات بدولة فلسطين ضمن أطر قانونية ملزمة: ومنع التراجع عنها أو استخدامها كأدوات رمزية، عبر الدفع باتجاه اعترافات رسمية في الأمم المتحدة، وتعديل المواقف القانونية الأوروبية تجاه الاحتلال والاستيطان.
الخاتمة

التحولات الأخيرة في المواقف الأوروبية تجاه إسرائيل تمثل فرصة تاريخية يجب عدم إهدارها. لكنها في الوقت نفسه، ليست تحولات كاملة أو مضمونة، بل خاضعة لحسابات داخلية وضغوط خارجية معقدة.

إن وقف الحرب على غزة هو مطلب عاجل، لكن المعركة الحقيقية تبدأ بعد الحرب: معركة تثبيت الحقوق الفلسطينية، وإنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحرر أوروبا من إرث تواطئها الطويل مع الاحتلال، أم تكتفي بإدارة الغضب الشعبي مؤقتًا دون تغيير جوهري في سياساتها

تقف أوروبا أمام مفترق طرق حاسم؛ طريق التحرر من إرث التواطؤ والصمت، وتترجم شعاراتها عن حقوق الإنسان والعدالة إلى مواقف ملموسة، وإما الاكتفاء بامتصاص غضب الشارع، لتعيد إنتاج صيغ قديمة من النفاق السياسي وتبني مشروع حل الدولتين.

وعلى الجانب الفلسطيني، الفرصة سانحة لكنها ليست أبدية: فإما أن يُبنى على هذا التحول الأوروبي مسار سياسي جاد يقود نحو التحرر، أو يضيع هذا الزخم في انتظار مبادرات الآخرين دون خطة أو تحرك فاعل.