الإدارة العامة وفلسفة وجود الفصائل والاحزاب الفلسطينية ، من منظور اكاديمي

د. مروان الآغا

في الأصل، وُجدت الفصائل والأحزاب كأدوات لخدمة المجتمع وترجمة تطلعاته إلى سياسات تحمي الأرض وتحسّن جودة حياة الناس، لكن حين تتحول الوسيلة إلى غاية، ويصبح بقاء التنظيم أهم من رفاه وكرامة المواطن، هنا يحدث الانحراف الموجع. بأن تُسخَّر الموارد للحزب لا للناس، وتُقدَّم الشعارات على النتائج، ويدفع المواطن الثمن دون أن يرى أثرًا حقيقيًا في حياته.
في فلسفة الإدارة العامة، الشرعية تُقاس بالأثر لا بالنوايا. فالتخطيط، والمساءلة، وقياس الأداء هي الأساس. اعقلها وتوكّل تعني أن نأخذ بالأسباب أولًا، لا أن نبرر الفشل بخطاب وجداني أو ديني يُستخدم في غير موضعه، فلا شك أن البعد الديني يمثل عنصرًا مهمًا في تشكيل الوعي الجمعي، ويعكس قوة الإيمان والصبر والثبات. ولذلك الإدارة العامة تميّز بين القيم المحفزة وآليات التخطيط والتنفيذ.
فعندما يُطرح هدف غير قابل للقياس أو التحقق المرحلي كاعتبار الموت في سبيل الله أسمى الأماني، دون ربطه باستراتيجية واقعية لإدارة الحياة وتحقيق الإنجاز، يتحول الخطاب إلى حالة وجدانية منفصلة عن متطلبات الإدارة الرشيدة.
ففي الفكر الإداري، الأصل يكون: التخطيط أولًا، ووضع السيناريوهات، وتحليل المخاطر، ودراسة البدائل، ثم بعد استنفاد الجهد البشري في الأخذ بالأسباب، يُترك ما تبقى لعلم الله وقدره، اي الانحرافات الخارجة عن السيطرة، وهذا يعبر عنه انحراف مسموح به + او – نسبه محددة مثلا 5%. أما أن يُستدعى مفهوم القضاء والقدر لتبرير غياب التخطيط أو فشل التنفيذ، فذلك يُعدّ خلطًا بين الإيمان كعقيدة، والإدارة كعلم يقوم على التحليل والقياس والمساءلة.
فلسطينيًا، آن الأوان لإعادة التفكير في وجود بعض الفصائل. فكل تنظيم شكّل عبئًا على المواطن، أو انعكس فساده سلبًا على حياته، أو لم يضف قيمة تُذكر – بحيث أصبحت الحياة تمضي به أو بدونه – يجب أن يُراجع وجوده سياسيًا وأخلاقيًا. فالسياسة ليست حقًا مكتسبًا دائمًا لأحد، بل وظيفة لخدمة الناس.
متى يصبح المواطن هو السيد الحقيقي؟ متى تكون حياته وكرامته وجودة معيشته هي البؤرة التي تدور حولها السياسة والاقتصاد والدفاع وكافة الوظائف والأنشطة العامة ؟
فالوطن هو الغاية، والتنظيم والحزب وسيلة، والإنسان هو القيمة العليا.
وأي فصيل لا يضع المواطن هدفه الجوهري، سيفقد مبرر وجوده مهما علت شعاراته.
حفظ الله الوطن والشعب