ذات ليلة…
اجتمع كبار الشياطين في مؤتمرهم السنوي.
وقف كبيرهم وقال:
“لقد حققنا هذا العام نجاحات عظيمة، لكن علينا أن نراجع أداءنا.”
رفع شيطانٌ يده وقال:
“أنا مسؤول عن الوسوسة… كلما قرأ الإنسان آية الكرسي هربت. أصبحت مهمتي شاقة.”
ابتسم الكبير وقال:
“لا بأس… اجلس.”
وقف شيطانٌ آخر بثياب فاخرة وقال:
“أما أنا، فأعمل في قسم الكراسي. أُصاب بالذعر كلما شعرت أن كرسيًا سيسقط، فأبذل كل جهدي ليبقى كما هو ولو سقطت معه المدن والعدالة.”
هزّ الكبير رأسه وقال:
“أعرفك جيدا… اجلس.”
ثم تقدم شيطانٌ ثالث يحمل في يده كفين لا يتوقفان عن التصفيق.
قال بفخر:
“أنا لا أجلس على الكرسي… لكنني أصفق له. إذا أخطأ قلت: أصاب. وإذا تأخر قلت: يتأنى. وإذا صمت قلت: حكيم. وإذا تكلم قلت: ملهم. لم أترك حقيقةً زائفة إلا وكسوتها برداء المديح.”
ضحك الجميع وصفقوا له.
لكن…
في آخر القاعة كان هناك مقعدٌ فارغ.
سأل أحدهم:
“لمن هذا الكرسي؟”
ساد الصمت.
ثم وقف كبير الشياطين احترامًا.
ودخل واحدٌ لم يصفق له أحد…
ولم يحتج أن يتكلم.
جلس بهدوء.
نظر إلى المجتمعين وقال:
“أنتم ما زلتم تعملون بالطريقة القديمة.”
استغربوا.
قال:
“أنت تخاف وتهرب من آية الكرسي…
وأنت تخاف على الكرسي…
وأنت تصفق للكرسي…
أما أنا…
فجعلت الناس ينسون لماذا صُنعت الكراسي أصلًا.”
ثم ابتسم.
وأضاف:
“لم أعد أحتاج إلى وسوسة أحد.
صاروا يتولون المهمة عني.
كل واحدٍ منهم يحمل شيطانًا صغيرًا في داخله…
يدافع عن الباطل لأنه اعتاد عليه.
ويخاصم الحق لأنه يزعجه.
ويقدس الأشخاص أكثر مما يحترم المبادئ.
لقد وفّرتُ على الشياطين آلاف الموظفين.”
سادت القاعة موجةٌ من التصفيق…
لكن هذه المرة…
لم يكن أحدٌ يصفق لذلك الشيطان.
كان الجميع…
يصفقون لأنفسهم.
ومنذ تلك الليلة…
كلما رأيت إنسانًا يخاف من الحقيقة أكثر مما يخاف من الظلم…
أو يدافع عن الكرسي أكثر مما يدافع عن الوطن…
أو يصفق حتى وهو يسمع أنين الناس…
أتذكر أن الاجتماع لم ينتهِ بعد.
وأن أخطر الشياطين…
ليس ذلك الذي يخاف من آية الكرسي…
ولا الذي يخاف على الكرسي…
ولا الذي يصفق للكرسي…
بل ذلك الذي نجح في إقناع البشر…
أنهم ليسوا شياطين…
وهم يؤدون عمله بإتقان.