دخلت الاحتجاجات في إيران يومها الثامن منذ انطلاقها في 28 كانون الأول/ديسمبر على خلفية تدهور المعيشة وانهيار سعر العملة، وسط حصيلة قتلى واعتقالات تتصاعد وتشدّد أمني يتركّز في طهران وغرب البلاد. في الأثناء، يكشف مسؤولون إيرانيون لم يكشفوا عن هويتهم أن البلاد باتت في «وضع حرج».
بحسب شبكات حقوقية تُتابع التطورات عبر مراسلين داخل البلاد، قُتل ما لا يقل عن 16 شخصاً خلال أسبوع الاحتجاجات، مع أكثر من 580 معتقلاً، في حين تحدّثت جهات أخرى عن حصيلة أعلى بقليل، وفق ما نقلت وكالة «رويترز».
تقرير صحيفة “نيويورك تايمز”
تشهد إيران حالة توتّر غير مسبوقة على وقع أسبوع متواصل من الاحتجاجات الشعبية، تزامن مع تهديدات أميركية مباشرة، وتطورات إقليمية متسارعة أعادت إلى الواجهة هواجس أمنية كبرى داخل النظام الإيراني. ووفق ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز، فإن طهران باتت تتصرّف وفق ما وصفه مسؤولون إيرانيون بـ”وضع البقاء”، وسط خشية حقيقية من أن تستغل إسرائيل الاضطرابات الداخلية لتنفيذ هجوم عسكري.
وبحسب التقرير، فإن التوتر تصاعد بشكل حاد بعد تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التي أعقبت العملية الأميركية في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، حين قال إن “دولًا أخرى يجب أن تستوعب الرسالة”، في إشارة فُهمت في طهران على أنها تحذير مباشر.
وأفادت نيويورك تايمز أن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عقد، ليل الأسبوع الماضي، اجتماعًا طارئًا بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لمساعدة المحتجّين. ووفق ثلاثة مصادر إيرانية مطّلعة على مجريات النقاش، ناقش الاجتماع سبل احتواء الاحتجاجات بأقل قدر ممكن من العنف لتفادي تأجيج الغضب الشعبي، بالتوازي مع الاستعداد لاحتمال تعرّض البلاد لضربات عسكرية.
في السياق نفسه، نقلت قناة إيران إنترناشيونال، المحسوبة على المعارضة، أن التلفزيون الرسمي الإيراني أعلن بدء الحرس الثوري مناورات لإطلاق صواريخ واختبار منظومات دفاع جوي، في عدة مدن بينها طهران وشيراز، في مؤشر على رفع مستوى الجهوزية العسكرية.
وتزامن ذلك مع انعقاد جلسة مطوّلة للكابينت الإسرائيلي المصغّر، استمرت أكثر من أربع ساعات، برئاسة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وبمشاركة كبار قادة الأجهزة الأمنية، بينهم رئيس الأركان إيال زامير، ورئيس الشاباك دافيد زيني، ورئيس الموساد دادي برنيع، إضافة إلى رئيس حركة “شاس” أرييه درعي. وجرى خلال الجلسة بحث الملف الإيراني إلى جانب باقي الجبهات، على أن يُعقد اجتماع متابعة لاحق.
ووفق الصحيفة الأميركية، أقرّ مسؤولون إيرانيون في أحاديث مغلقة بأن النظام يفتقر إلى أدوات فعّالة لمعالجة الانهيار الاقتصادي المتسارع، بالتوازي مع تصاعد المخاطر الأمنية. ونقلت الصحيفة عن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قوله، في أول ظهور علني له منذ اندلاع الاحتجاجات، إنه “لا يملك حلولًا جاهزة” للأزمات المتراكمة، مضيفًا: “أي سياسة غير عادلة في المجتمع محكوم عليها بالفشل، وعلينا أن نعترف بأننا بحاجة إلى الإصغاء إلى الشعب”.
وبحسب المصادر نفسها، تعاظم القلق داخل أروقة الحكم من أن يؤدي استمرار عدم الاستقرار الداخلي إلى منح إسرائيل ذريعة أو فرصة لتوجيه ضربة جديدة، خصوصًا في ظل تصريحات صادرة عن الرئيس ترامب وعدد من المسؤولين الإسرائيليين، بينهم الوزيرة جيلا غمليئيل.
وفي المقابل، اتخذ المرشد الأعلى علي خامنئي موقفًا أكثر تشددًا، داعيًا في خطاب علني إلى “وضع مثيري الشغب عند حدّهم”، ومتهمًا “أعداء خارجيين” بالوقوف خلف تدهور العملة والأزمة الاقتصادية، مع إقراره في الوقت نفسه بحق تجّار طهران في الاحتجاج نتيجة التقلبات الحادة في الأسعار.
كما كشفت نيويورك تايمز أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عقد، بعيدًا عن الإعلام، اجتماعًا مع رؤساء وسائل إعلام مقرّبة من السلطة، وصف خلاله الأزمة بأنها “معركة على بقاء نظام الجمهورية الإسلامية والأمة بأكملها”، مؤكدًا أن فرص التفاوض مع واشنطن معدومة حاليًا، وأن القرار في هذا الملف ليس بيده.
وفي تصعيد لافت في الخطاب، قال رئيس أركان الجيش الإيراني عبد الرحيم موسوي إن “الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان على خلق الفوضى في إيران عبر حرب ناعمة وضغوط اقتصادية”، متهمًا “عناصر مدرّبة” باستغلال الاحتجاجات لضرب الأمن الداخلي.
وفي هذا المناخ المشحون، نُصبت في ساحة فلسطين وسط طهران لوحة إعلانية ضخمة تُظهر توابيت تحمل علمي الولايات المتحدة وإسرائيل، مرفقة بعبارة بالعبرية والإنكليزية: “احموا جنودكم”. وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن الخطوة جاءت ردًا على تهديدات ترامب وتصريحات علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي قال: “عليهم أن يقلقوا على جنودهم”.
ويُذكر أن موجة الاحتجاجات الحالية انطلقت قبل أسبوع من بازيار طهران، على خلفية الانهيار المتسارع في قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم، قبل أن تمتد إلى جامعات عدة في العاصمة ومدن أخرى. ويعاني الإيرانيون، وفق تقارير متقاطعة، من ضغوط معيشية خانقة تفاقمت بفعل أكثر من عقدين من العقوبات الغربية المرتبطة بالبرنامج النووي.
في المحصلة، ترسم التطورات الأخيرة صورة لنظام إيراني محاصر بين غضب داخلي متصاعد وضغوط خارجية متزايدة، في لحظة إقليمية دقيقة تُنذر بأن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب على تصعيد واسع يتجاوز حدود إيران.






