الاخ القائد عباس زكي … أكبر من المناصب

بقلم ؛ الإعلامي فراس الطيراوي

في زمنٍ تتبدل فيه المواقع سريعًا، وتسقط فيه أسماء كثيرة مع أول اهتزازٍ للكراسي، يبقى هناك رجالٌ لا تصنعهم المناصب ولا تختصرهم العناوين التنظيمية، لأنهم ببساطة صُنّاع مرحلةٍ كاملة وشهودٌ على تاريخٍ كُتب بالدم والتضحيات والصبر الطويل. رجالٌ حين يغادرون موقعًا، لا تغادرهم الهيبة، وحين يبتعدون عن الواجهة، يبقون حاضرين في ضمير الحركة ووجدان الوطن، لأن قيمتهم لم تكن يومًا مرتبطة بمقعدٍ أو منصب، بل بحجم ما قدموه لفلسطين من عمرهم ومواقفهم وكبريائهم الوطني.

 

وعندما يُذكر اسم القائد عباس زكي، فإن الحديث لا يكون عن مسؤولٍ تنظيمي عابر، بل عن واحدٍ من الرجال الذين حملوا فلسطين في أصعب مراحلها، ودافعوا عن حركة فتح باعتبارها مشروعًا وطنيًا تحرريًا لا مجرد إطارٍ سياسي. هو صوتٌ بقي عاليًا حين خفتت أصوات كثيرة، ووجهٌ فتحاوي ظل حاضرًا في معارك السياسة والموقف والانتماء، مؤمنًا بأن الثورة ليست شعارًا يُرفع، بل عهدًا لا يسقط مهما اشتدت العواصف.

لهذا، فإن مغادرة أبو مشعل لموقعٍ تنظيمي لا تعني غياب دوره أو تراجع مكانته، لأن القامات الوطنية الكبرى لا تُقاس بنتائج الانتخابات ولا بعدد المقاعد، بل بما تتركه في ذاكرة الشعوب من أثرٍ وكرامةٍ وحضور. فهناك رجالٌ يتحولون مع الزمن إلى جزءٍ من تاريخ الحركة نفسها، وإلى عنوانٍ من عناوين الوفاء لفلسطين والثورة والقرار الوطني المستقل.

 

عباس زكي … رجالٌ لا تغادرهم المكانة وإن غادروا المواقع

في مسيرة الثورات الكبرى، تصعد أسماء كثيرة إلى الواجهة بفعل المنصب والسلطة والظرف السياسي، لكن الزمن لا يحتفظ إلا بأصحاب المواقف الحقيقية. فهناك من تصنعه الكراسي لمرحلةٍ عابرة، وهناك رجالٌ يصنعون هم تاريخ المرحلة نفسها، لأن حضورهم وُلد من رحم النضال والتضحيات والانتماء العميق للوطن. هؤلاء لا يسقطون بخروجهم من موقع، ولا تغيب مكانتهم بتبدل العناوين التنظيمية، بل يزداد حضورهم رسوخًا كلما حاول الزمن اختبار قيمة الرجال الحقيقيين.

ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأخ عباس زكي، أحد أبرز الوجوه الوطنية والتنظيمية التي شكّلت جزءًا أصيلًا من مسيرة حركة فتح والثورة الفلسطينية المعاصرة.

إن خروج الأخ عباس زكي من اللجنة المركزية لحركة فتح لا يمكن قراءته باعتباره نهاية دور أو تراجع مكانة، لأن الرجال الكبار لا يُقاسون بالمواقع التنظيمية وحدها، بل بتاريخهم، وتجربتهم، وحجم ما قدموه من عطاء وتضحيات ومواقف في أصعب المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية. فهناك فرقٌ كبير بين من يشغل الموقع، وبين من يتحول إلى قيمة وطنية تتجاوز حدود المناصب والوظائف السياسية.

 

لقد عرف الفلسطينيون والعرب عباس زكي مناضلًا حمل فلسطين في قلبه وعقله ولسانه، وكان حاضرًا في مختلف المراحل الوطنية والسياسية، مدافعًا عن الثوابت الفلسطينية وعن القرار الوطني المستقل، ومؤمنًا بأن حركة فتح لم تكن مجرد تنظيم سياسي، بل مشروعًا وطنيًا تحرريًا حمل حلم الفلسطينيين بالحرية والاستقلال والكرامة الوطنية.

 

من يعرف تاريخ حركة فتح يدرك جيدًا أن أجيالًا كاملة من المناضلين دفعت أثمانًا باهظة كي تبقى القضية الفلسطينية حيّة في وجدان العالم، وكان عباس زكي واحدًا من أولئك الذين حملوا المسؤولية في ظروفٍ معقدة وصعبة، حيث لم يكن العمل الوطني طريقًا للمكاسب أو الامتيازات، بل مسيرة مليئة بالتضحيات والمخاطر والملاحقة والمنفى والتعب والصبر الطويل.

 

لقد كان الأخ القائد عباس زكي صوتًا فتحاويًا واضحًا وصريحًا، لا يجامل في القضايا الوطنية الكبرى، ولا يساوم على كرامة شعبه أو حقوقه الوطنية. وكان دائمًا من الشخصيات التي تمتلك حضورًا سياسيًا وإعلاميًا لافتًا، لما يحمله من ثقافة سياسية وخبرة نضالية طويلة، إضافة إلى قدرته على التعبير عن نبض الشارع الفلسطيني وهموم أبناء الحركة الوطنية الفلسطينية.

 

ولأن الرجال الحقيقيين يُعرفون في المواقف الصعبة، فقد ظل أبو مشعل حاضرًا في كل المحطات الكبرى التي مرت بها القضية الفلسطينية، مدافعًا عن وحدة الشعب الفلسطيني وعن وحدة حركة فتح باعتبارها العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني. وفي زمن الانقسامات والتحديات الكبرى، بقي يؤمن بأن قوة الفلسطينيين تكمن في وحدتهم الوطنية، وفي قدرتهم على حماية المشروع الوطني من محاولات التصفية والاستهداف.

 

إن الذين ينظرون إلى المواقع التنظيمية باعتبارها المعيار الوحيد للحضور السياسي لا يدركون طبيعة الحركات الوطنية الكبرى، ولا يفهمون كيف تُصنع الرموز الحقيقية. فالقادة التاريخيون لا تنتهي أدوارهم بخروجهم من موقع هنا أو هناك، لأن حضورهم يتحول مع الزمن إلى جزءٍ من الوعي الجمعي والذاكرة الوطنية. وحين نتحدث عن عباس زكي، فإننا نتحدث عن رجلٍ من جيل الآباء المؤسسين والمناضلين الذين عاشوا القضية بكل تفاصيلها، ودفعوا من أعمارهم ومستقبلهم الشخصي ثمنًا للانتماء لفلسطين.

 

لقد أثبتت التجارب أن التنظيمات الوطنية القوية هي التي تحافظ على رموزها التاريخيين، وتحترم أصحاب التجربة والخبرة، وتُبقيهم جزءًا من المشهد الوطني، لأن الأمم التي لا تحفظ تاريخ رجالها تفقد جزءًا من ذاكرتها وهويتها. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للأخ عباس زكي لا تكمن فقط في موقع تنظيمي شغله يومًا، بل في كونه أحد الأصوات الوطنية التي ساهمت في حماية الرواية الفلسطينية والدفاع عنها عربيًا ودوليًا.

 

لقد كان حضوره السياسي والإعلامي دائمًا مرتبطًا بفلسطين أولًا، وبهموم الناس، وبالدفاع عن كرامة الشعب الفلسطيني في زمنٍ تتعرض فيه القضية لأخطر محاولات التهميش والتصفية. ولم يكن يومًا باحثًا عن الأضواء أو المكاسب الشخصية، بل بقي ابنًا أصيلًا لحركة فتح، مؤمنًا بأن هذه الحركة كانت وما زالت عنوانًا رئيسيًا للنضال الوطني الفلسطيني.

 

وربما تكمن عظمة الرجال الحقيقيين في أنهم يتركون أثرًا يتجاوز الزمن والموقع. فالمناصب قد تتغير، واللجان قد تتبدل، لكن التاريخ يبقى شاهدًا على من وقف مع شعبه، ومن حمل القضية بإخلاص، ومن بقي وفيًا للمبادئ التي آمن بها منذ البدايات الأولى. ولهذا فإن مكانة عباس زكي ستبقى محفوظة في وجدان أبناء فتح وفي ذاكرة كل الفلسطينيين الذين يعرفون معنى الوفاء للتاريخ النضالي.

 

إن الوفاء للقامات الوطنية واجب أخلاقي ووطني تجاه رجالٍ أعطوا سنوات عمرهم لفلسطين، وتحملوا أعباءً كبيرة في سبيل بقاء القرار الوطني الفلسطيني حرًا ومستقلًا. والشعوب العظيمة هي التي تكرم مناضليها وتحفظ أسماءهم في سجلها الوطني، لأن الأوطان لا تُبنى فقط بالمؤسسات، بل أيضًا بالرجال الذين صنعوا تاريخها وكتبوا حكايتها بعرقهم وصبرهم وتضحياتهم.

وفي الختام، فإن الأخ القائد عباس زكي ليس مجرد اسمٍ عابر في تاريخ حركة فتح، بل قامة وطنية ونضالية كبيرة يجب أن تبقى حاضرة في اللجنة المركزية وفاءً وعرفانًا لمسيرته الطويلة وتضحياته الكبيرة في خدمة فلسطين والثورة الفلسطينية. فهناك رجالٌ تتجاوز قيمتهم نتائج الانتخابات والمواقع التنظيمية، لأنهم جزءٌ من ذاكرة الحركة وهويتها النضالية. وإن الحفاظ على حضور أبو مشعل في إطار القيادة الفتحاوية العليا هو رسالة وفاء لجيل المؤسسين والمناضلين الذين صنعوا تاريخ الحركة وحملوا رايتها في أصعب الظروف، فالقامات الوطنية الكبيرة لا تغادر مكانتها مهما تبدلت المواقع.

*ناشط وكاتب عربي فلسطيني عضو الامانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام / شيكاغو