الاغتيال غير المفاجئ

عمر حلمي الغول

تم مساء أول أمس الجمعة 15 أيار / مايو الحالي اغتيال رئيس الجناح العسكري لحركة حماس الأخير عزالدين الحداد في شقة بحي الرمال بمدينة غزة بقصف طائرة حربية إسرائيلية، وتم وقوع 7 ضحايا و30 إصابة، أول من أعلن عن الخبر بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة، ويسرائيل كاتس وزير حربه في بيان مقتضب، وجاء فيه: “شن الجيش الإسرائيلي الآن – وقت الهجوم – في غزة هجوما استهدف عز الدين الحداد، قائد الجناح العسكري لحركة حماس، وأحد مهندسي هجوم السابع من (تشرين أول) أكتوبر – 2023.” وادعيا نتنياهو وكاتس أن الحداد “رفض تنفيذ الاتفاق الذي قاده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتجريد حماس من سلاحها ونزع السلاح من قطاع غزة.” وأكد البيان أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك يطبقان سياسة الحكومة بعدم احتواء التهديدات واحباط اعدائها مسبقا.
وقبل تفنيد ما تضمنه البيان الحكومي الإسرائيلي، يهمني أن الفت الانتباه الى، أن عملية اغتيال الحداد لم تكن مفاجئة، أو اعتبارها عملا استثنائيا للمؤسسة العسكرية الأمنية الإسرائيلية لأكثر من سبب: أولا لم تكن عملية الاغتيال الأولى للرؤوس القيادية العسكرية في حركة حماس، فسبقه اغتيال كل من محمد الضيف، القائد الأول لكتائب القسام، ومروان عيسى الذي تلاه في قيادة الجهاز، ثم اغتيال يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في الداخل والخارج، ولحقه شقيقه محمد السنوار والعديد من القادة الميدانيين؛ ثانيا كثافة المراقبة الجوية والملاحقة الأرضية من خلال أدوات وعملاء إسرائيل المنتشرين في قطاع غزة؛ ثالثا المساحة الضيقة جدا المتاحة لمن تبقى من قادة وكوادر حماس من قطاع غزة، والمسيطر عليها من الجو والبر والبحر، حيث سيطرت إسرائيل على 60% من مساحة القطاع؛ رابعا تمكن الجيش الإسرائيلي من اكتشاف العديد من الانفاق، التي شكلت لفترة من الإبادة الجماعية ملاذا لاختباء قادة حماس، مما اضطر من تبقى منهم للجوء للشقق السكنية، وسهل على عيون إسرائيل كافة سرعة اكتشافهم وملاحقتهم.
كما ان الحداد لم يتولَ مهامه كرأس أول للقسام الا قبل عام بالضبط، بعد اغتيال محمد السنوار، وبعد أن ضاقت حرية المناورة والاختفاء في المساحة الصغيرة المتبقية، مما شّدد الخناق عليه وعلى من معه، وبالتالي اصطياد من تبقى من الكوادر بات امراً ميسورا، ولهذا لا يمكن اعتبار اغتيال رئيس كتائب القسام إنجازا عسكريا وأمنيا للمؤسسة الإسرائيلية.
وبالعودة لبيان رئيس الوزراء ووزير حربه، فأنهما قلبا الحقائق بشأن خطة الرئيس ترمب وعدم الالتزام بها، فالحكومة الإسرائيلية هي التي لم تلتزم بها، واخترقت ما تم الاتفاق عليه، ولم تنفذ النقطة الأولى من خطة ال 20 نقطة، دون أن يعني أن حركة حماس لا تتحمل جزءً أساسيا من المسؤولية عما يجري في القطاع، الا أن دولة إسرائيل اللقيطة ومن خلفها الولايات المتحدة يتحملون المسؤولية الأساسية، لأنهم مازالوا يسعون لفرض التهجير القسري على أبناء الشعب في القطاع والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية العاصمة الفلسطينية على حد سواء، وتقويض التواصل الجغرافي بين جناحي الوطن، وتبديد المشروع الوطني والكيانية الفلسطينية. وأما كذبة “عدم احتواء التهديدات واحباط اعدائها مسبقا” فهذه الكذبة لم تنطلِ على الإسرائيليين ولا على الفلسطينيين، ولا على الرأي العام والعالم عموما، فمن احتضن واحتوى حركة حماس طيلة ال 18 عاما من الانقلاب الأسود هي حكومات نتنياهو وليس أحدُ غيرها.
رغم ذلك، وكما لاحظ المراقبون جميعا، أن رئيس الائتلاف الحاكم الإسرائيلي وأركان حكومته روج لعملية الاغتيال بشكل ديماغوجي من خلال آلته الإعلامية، ووصفها بأنها “اختراق أمني هام”، وإنجاز يحسب له وللمؤسسة الأمنية العسكرية، لا سيما وأن عملية الاغتيال تمت مباشرة بعد تقديم رئيس الكنيست الأسبوع الماضي اقتراح حل الكنيست وتقديم اجراء الانتخابات العامة، وسيستخدمها عنوانا في حملته الانتخابية، إن أتيح له الترشح. مع أنه لم يحقق أي من أهداف الإبادة الجماعية على مدار ال 31 شهرا الماضية، سوى الإبادة والموت والتدمير ونشر الامراض والاوبئة والجوع في أوساط المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، وما زال يسعى لإدامة الإبادة الجماعية على القطاع والضفة
مع انه يجري في هذه الأيام مساومة مع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ والمستشارة القضائية للحكومة والمعارضة بشأن قضايا الفساد الأربعة التي تلاحقه امام القضاء منذ 6 سنوات خلت، وقد يكون أحد افرازات المساومة الخروج من دائرة الحكم، وعدم الترشح للانتخابات القادمة، الا إذا لجأ لمناورة والاعيب جديدة، يسقط فيها الدعاوي المرفوعة عليه مقابل ثمن بخس، ودون حرمانه من الترشح لرئاسة الحكومة، رغم أن استطلاعات الرأي الأخيرة الأسبوع الماضي اشارت، الى أن 55% من المستطلعة اراءهم يطالبون بخروج نتنياهو من دائرة الحكم.
بالنتيجة عملية الاغتيال لعز الدين الحداد، على أهمية مكانة الرجل في هياكل حماس القيادية، الا انها لا تعتبر مفاجئة، أو إنجازا أمنيا ولا سياسيا، لكنه سيستخدمها إن أتيح له الترشح.
[email protected]
[email protected]