بروفيسور عوض سليمية
باحث في العلاقات الدولية
نائب مدير عام معهد فلسطين لأبحاث الامن القومي
افرزت صناديق انتخابات الكنيست الإسرائيلي الــ 26 التي جرت يوم 27 أكتوبر 2026 معادلة سياسية أكثر استقطاباً وتعقيداً مما كان عليه المشهد السياسي الاسرائيلي قبل الانتخابات. 53 مقعداً لمعسكر حرب الابادة الجماعية الذي يقوده نتنياهو، و48 لمعسكر لا يُجمع الا على إزاحة نتنياهو وعلى رأسه غادي آيزنكوت، وامسك السكان الاصليون بمفاتيح الحكم بحيازتهم الرقم السحري القياسي المكون من خانتين؛ “19” مقعداً. وبذلك، لم يحصل أي من المعسكرين الرئيسيين على المفاتيح المطلوبة، وهي 61 مقعداً من أصل 120.
هذه الارقام المُقيدة للمعسكرين المتنافسين لم تفشل في حسم معركة الصراع على الحكم ومستقبل اسرائيل فقط، بل نقلت الصراع من صناديق الاقتراع إلى معركة تشكيل الائتلاف القادم. عند هذه النقطة، يصبح السؤال المركزي ليس من يحصل على العدد الأكبر من المقاعد، وإنما من يستطيع بناء ائتلاف متماسك في بيئة امنية مضطربة وسط عزلة دولية لاسرائيل، ومن سيدفع الكلفة السياسية الأكبر مقابل الوصول إلى رئاسة الحكومة.
نتنياهو نصر بطعم الهزيمة
على الرغم من امتلاك حزب الليكود أفضلية التقدم على منافسه الرئيس حزب يشار في عدد المقاعد – 27 مقابل 21، الا ان هذه النتيجة افقدت الليكود خمسة مقاعد مقارنة بالانتخابات الاخيرة المكررة التي جرت يوم 1 نوفمبر من العام 2022- 32 ليكود مقابل 24 لحزب “هناك مستقبل” بقيادة يائير لابيد. لكن الفجوة في الارقام الجديدة الكابحة ليست مجرد نقص عددي؛ بل فرضت قيوداً صارمة على هامش المناورة لنتنياهو ومدى قدرته على إعادة إنتاج الائتلاف الذي حكم من خلاله، ووضعته أمام أزمة بين المحافظة على حلفائه الأيديولوجيين مع تقبل الخسارة والبحث عن شركاء جدد تتضارب مصالحهم مع مصالح معسكره.
وسط هذه الارقام، بات نتنياهو محكوم بثلاث مسارات. الأول؛ البحث عن تركيب ائتلاف يميني اوسع عبر استقطاب أعضاء أو أحزاب من المعسكر المناوئ، مستفيداً من التناقضات الداخلية في صفوف المعارضة حول اغلب القضايا. المسار الثاني؛ اللجوء الى التفاوض على حكومة أوسع “حكومة قومية”، تضم قوى وسطية أو يمينية من المعسكر المقابل، مع الاستغناء عن المتطرفين بن غفير وسموتريتش مقابل تخلي ايزنكوت عن حزب الديموقراطيين بزعامة غولان. المسار الثالث، ان يقبل نتنياهو بالخسارة -وهو امر مستبعد، ويجلس على مقاعد المعارضة. بينما يبقى الخيار الأول رهناً بمدى استعداد خصومه للانتقال الى معسكره وتغيير مواقفهم. يواجه الخيار الثاني عقبتين: الاول؛ تعهد معسكر المعارضة مجتمعين بإزاحة نتنياهو وارساله الى القضاء، والثاني عدم اظهار نتنياهو-على الاقل حتى الان، رغبة في تخليه عن حلفائه الطبيعيين في حكومة الجرائم وحرب الابادة. وما يزال المسار الثالث غير مؤكد – رغم عدم استبعاده، في ظل عدم قدرة خصومه على تحويل مجموع مقاعدهم 43+ 19 إلى ائتلاف متماسك، بسبب تعهدات ايزنكوت وحليفه من داخل المعسكر ليبرمان بعدم اشراك العرب في أي حكومة قادمة يشكلها أحدهما. وهي وصفة مفيدة جداً لتشجيع نتنياهو للدفع نحو جولة ثانية من الانتخابات.
آيزنكوت: مفاتيح الحكم واليد المرتجفة
حيازة معسكر آيزنكوت على 48 مقعداً لا يعني بالضرورة أنه أقرب تلقائياً إلى تشكيل الحكومة القادمة. فالوصول إلى العتبة البرلمانية لتشكيل الحكومة يحتاج الى 61 مقعداً كحد أدنى للحصول على الثقة في الكنيست. هذا يتطلب ضم 13 مقعداً إضافياً على الاقل. في الوقت الذي توفر المقاعد العربية الـ 19 أغلبية حسابية مريحة وآمنة تصل إلى 67 مقعداً، لكن الحسابات القومية الضيقة لأقطاب اليمين في معسكر التغيير تمنعهم من اتخاذ قرار سياسي جريء، كفيل بشطب نتنياهو سياسياً.
هذا التناقض بين الرغبة في إزاحة نتنياهو ورفض الصوت العربي، يضع آيزنكوت أمام اختبار يتجاوز مهارات التفاوض، فهل يستطيع تحويل هدف إسقاط نتنياهو إلى اتفاق سياسي يغيّر مواقف بعض حلفائه، أم أن التناقضات الساكنة داخل معسكره وفقدان الحد الادنى من التوافق ستمنعه من تشكيل الحكومة؟ هنا تظهر المهارة الحقيقة لايزنكوت.
القوائم العربية مفتاح الاغلبية
مثلت المقاعد العربية الـ 19 الرقم الصعب في معادلة الحكم القادم واحد أهم نتائج الانتخابات المفاجئة، ليس فقط لأنها رقم قياسي تاريخي، بل لأنها منحت الأحزاب العربية مفتاح الحكم وحملتهم الى موقع القوة البرلمانية الحاسمة والمؤثرة في الحسابات السياسية القادمة. من الناحية العددية، يمكن لهذه المقاعد أن تسهم في تشكيل أغلبية داعمة لحكومة يقودها آيزنكوت، أو أن تصبح جزءاً من معادلة تفاوضية أوسع تسعى لتحقيق مطلب العدالة والمساواة والامان للجمهور العربي؛ مقابل تقديم شبكة أمان لمعسكر ايزنكوت.
ومع ذلك، من السابق لأوانه وصف القوائم العربية بأنها “الكتلة الحاسمة” في الكنيست القادم. من ناحية، فإن امتلاك القدرة العددية الفائضة لتغليب كفة معسكر لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الفعلية على فرض شروط سياسية. لان ذلك يتوقف ذلك على عاملين اساسيين: مدى استعداد معسكر التغيير لقبول الدعم او الشراكة العربية، التوافق بين القائمتين العربيتين نفسيهما “المشتركة والموحدة”، وقدرتهما على استمرار التماسك وتحويل الدعم البرلماني إلى التزامات قابلة للقياس في القضايا التي تهم المجتمع العربي.
من ناحية اخرى، هناك فرق بين المشاركة المباشرة في الحكومة، وتقديم دعم برلماني من خارجها، والامتناع عن إسقاطها في تصويت حاسم في حال خرجت هذه الحكومة عن الخطوط الحمراء لمطالب المجتمع العربي. هذه صيغ مختلفة في الكلفة والنتائج. وبالتالي، لا يمكن افتراض أن القوائم العربية ستختار إحداها قبل اتضاح شروط التفاوض مع معسكر ايزنكوت. المفارقة السياسية، أنه كلما ارتفع الوزن الانتخابي العربي، ازدادت أهميته الحسابية؛ بالمقابل، تزداد الضغوط على الأحزاب اليهودية التي تخشى دفع ثمن سياسي أو انتخابي مقابل التعاون مع العرب. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي ليس عدد المقاعد وحده، بل قدرة هذه المقاعد على تغيير سلوك بقية القوى داخل المعسكر الواحد.
استمرار الأزمة وصولاً إلى انتخابات جديدة
بدأت المؤشرات تظهر في هذا الاتجاه بعد دعوة حزب الليكود لفتح ملف تحقيق في شبهات تلقي اموال اجنبية للتأثير في نتائج الانتخابات. وهنا السؤال، إذا كان رئيس الشاباك زيني يعلم مسبقاً بوصول اموال اجنبية للتأثير في سير الانتخابات قبل اسبوع من موعدها ضد معسكر نتنياهو-كما تتحدث التقارير، فلماذا لم يتدخل حينها لكشف هذه المحاولات امام رئيس لجنة الانتخابات المركزية نوعام سولبيرغ، وانتظر حتى موعد صدور النتائج المخيبة للآمال لمعسكر نتنياهو. في الواقع يهدف هذا الاعلان الليكودي الى نقل الصراع من ازمة في تشكيل الحكومة الى قضية أمن قومي، تمهد للطعن في الشرعية الانتخابية للأحزاب العربية؛ وبالتالي محاولة تفكيك معسكر المعارضة واحباط توجهه نحو تشكيل الكنيست الـجديد خلال المدة التي يسمح بها القانون.
المؤشر الاخر، في حال فشل معسكري التغيير ومعسكر نتنياهو في تشكيل الحكومة ضمن المهل والإجراءات القانونية. لكن هذا السيناريو ليس نتيجة حتمية لتعثر المفاوضات؛ إذ تسبق ذلك محاولات تكليف مرشحين آخرين بعد احالة القضية للكنيست الجديد، وبحث صيغ ائتلافية بديلة. كما أن بقاء نتنياهو في موقع رئيس حكومة تصريف الأعمال خلال المرحلة الانتقالية حتى موعد الانتخابات القادمة في مارس /اذار 2027 يعني أن الفشل في تشكيل حكومة جديدة لا يعني فراغاً تنفيذياً كاملاً؛ وهذا ما يسعى اليه نتنياهو في اسوأ السيناريوهات التي لا تمنحه البقاء في مقعد رئاسة الوزراء.
الدور الامريكي في حسم الخلاف
على مدار اقل من اسبوعين لموعد الانتخابات؛ أعلن ترامب دعمه الصريح لنتنياهو مرتين على الاقل، وكالعادة نسب النتائج الجيدة التي حققها نتنياهو لنفسه. “اعتقد ان تأييدي له قد ساعده كثيراً”. قال ترامب. في هذا السياق، يتحضر ترامب الى استكمال المهمة التي بدأها مع حليفه الموثوق نتنياهو وجوهرها استئناف “الحرب على إيران”. لذلك، ربما يتابع ترامب حالة الضغط على الفرقاء الإسرائيليين لدفعهم نحو تسوية ائتلافية أوسع بالسرعة الممكنة بدون بن غفير وسموتريتش؛ اللذان يرى فيهما عقبة امام تحقيق مبادراته في المنطقة.
من وجهة نظر امريكية، فإن استمرار المأزق الحالي في اسرائيل يحد من اتخاذ قرارات استراتيجية في لحظة إقليمية حساسة. وقد تكون حكومة الوحدة إحدى المخارج المطروحة امريكياً رغم تضارب المصالح السياسية للمعسكرين والتي تجعل التنازل عن الشركاء أو البرامج الانتخابية مكلفاً.
تواجه اسرائيل الان مأزقاً سياسياً داخلياً متعاكساً ومتناقضاً بعد ان واجهت أزمة دبلوماسية واقتصادية مع أقرب حلفاءها الغربيين. نتنياهو يحتاج إلى توسيع ائتلافه القائم الان للحفاظ على منصبه، وآيزنكوت يحتاج إلى بناء توافق يجمع اقطاب المعارضة على برنامج الحد الادنى ويتجاوز مجرد اسقاط نتنياهو الى تشكيل حكومة متماسكة، بينما تسعى القوائم العربية إلى تحويل الوزن الكبير إلى قوة سياسية وبرلمانية تخدم وتحمي المصالح العربية بغض النظر عن شكل التحالف او مشاركتها في الحكومة القادمة من عدمه. وسط اتساع الفجوة، يبقى معيار النجاح في المرحلة المقبلة ليس من يمتلك نواب أكثر، بل من يستطيع بناء ائتلاف يتحمل كلفة قراراته ويحافظ على تماسكه عند أول اختبار جدي.