الانتخابات بين شرعية الصندوق ومسرح العبث السلطوي

بقلم: عماد خالد رحمة

كانت الأنظمة السلطوية، وما تزال، تسعى بكل ما تملك إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية، لأنّها تعتبرها من أبرز مظاهر النظم الديمقراطية، على الرغم من أنّها أنظمة استبدادية تحكم بقوّة القمع والقهر، بهدف ستر عوراتها السياسية والأمنية والاقتصادية، وتعزيز الحكم السلطوي الاستبدادي وتثبيته، وإطالة أمد بقائه في السلطة، بوصفها في الغالب أقليّات حاكمة. ومن هنا نجد تلك الأنظمة الطاغية تتسابق إلى عقد الانتخابات والاستفتاءات بشكل دوري ومنتظم.
ومعظم الدول الشمولية في العالم حريصة كلَّ الحرص على إجراء الانتخابات، سواء الرئاسية أم البرلمانية، بصورة دائمة ومنتظمة، في حين تعلم تلك الأنظمة السلطوية أنّ أي انتخابات تُجرى في بلدانها ليست سوى انتخابات صورية، هدفها الرئيس الحفاظ على شرعية شكلية، يستطيع الحكّام الطغاة والمستبدون من خلالها إعطاء انطباع للمواطنين وللعالم بأنّهم منتخبون ديمقراطياً، وأنّهم يحظون بدعم الشعب وتأييده، حتى وإن تمّ التلاعب بصناديق الاقتراع بمختلف الأساليب. وهذا ما شهدناه في حالات كثيرة في عدد من الدول العربية وغيرها، حيث كانت نتائج الانتخابات تصل إلى نسبة 99.99%، في ظل غياب أي مرشح منافس حقيقي.
كما أنّ عملية تدجين المعارضة واحتواءها سياسياً لعبت دوراً كبيراً في بنية تلك الأنظمة، وذلك من خلال منحها بعض المقاعد البرلمانية الشكلية، بحيث لا تؤثّر في قرارات النظام أو هيمنته على البرلمان والحياة السياسية العامة، حتى لا تتمكّن أي قوة أو حركة سياسية أو حزب من التأثير في البنية التشريعية للدولة. إضافة إلى ذلك، تعمل السلطة الحاكمة على شقّ صفوف المعارضة، مستفيدةً من ضعف تماسكها الداخلي، عبر استقطابات سياسية ومجتمعية حادّة، انطلاقاً من القاعدة الشهيرة: «فرّق تسد»، وبذلك يضمن المستبدون والطغاة عدم وجود تيارات أو جبهات معارضة يمكن أن تشكّل تهديداً، ولو نسبياً، لحكمهم.
والجدير بالذكر أنّ التصويت في الانتخابات التي تُجرى في الدول الشمولية لا يكون سرياً بالمعنى الحقيقي، إذ يُمارَس الضغط على الناخبين بشتى الوسائل لدعم مرشحي السلطة، وكثيراً ما يكون منصب رئيس الدولة أو حتى رئاسة البرلمان محصوراً بمرشح واحد فقط، يُطلب التصويت له بـ«نعم» أو «لا»، وسط رقابة علنية وخفية في آنٍ معاً.
ولم يكن خافياً على الجماهير أنّ شراء الولاءات وتوزيع الغنائم على المؤيدين للنظام يتمّ عبر ضمان بعض المكاسب الاجتماعية والمادية والسياسية الشكلية، كما تسمح السلطات الحاكمة لهؤلاء بهامش من النفوذ والهيمنة السياسية والمجتمعية، وتمنحهم غطاءً لتنفيذ ممارسات الفساد والنهب والاستغلال، عبر توفير الحصانة القانونية لهم. وغالباً ما ينسجم ذلك مع شراء المقاعد البرلمانية داخل العائلة أو الطائفة أو العشيرة لصالح الأبناء والأقرباء.
لقد استفاد النظام الحاكم المستبد من أفكار عدد من الفلاسفة والمنظّرين الذين تناولوا مفهوم السلطة والحكم القوي. فقد كتب الفيلسوف البريطاني مايكل هوسكيلر مساهمات عدّة حول تفسير الفوضى السياسية، وأشار في إحدى مقالاته إلى أنّه «علينا قبل كل شيء أن نتخلّى عن فكرة أنّ العالم منظّم بطريقة عقلانية». كما جادل الفيلسوف الألماني أرتور شوبنهاور، صاحب كتاب العالم إرادة وتمثلاً، بأنّ جوهر العالم لا يقوم على المنطق، بل على الإرادة العمياء.
كذلك وصف الفيلسوف والروائي الفرنسي ألبير كامو العالم بأنّه مكان غريب لا يكترث كثيراً بحاجات الإنسان ورغباته. أمّا أرسطو فقد رأى أنّ التفكير الفلسفي يمثّل كمال الحياة البشرية. وربّما بدا هذا الطرح مثالياً إلى حدّ ما، غير أنّه يؤكّد القيمة العميقة التي يضيفها التفكير الفلسفي إلى فهم الحياة وتفسيرها.
ومن أبرز من نظّروا لفكرة الحكم القوي المفكر والسياسي الإيطالي نيكولو مكيافيلي في كتابه الأمير، الذي صدر عام 1513م، حيث تناول أساليب السيطرة على الدولة ورجالاتها في الداخل، وتعزيز النفوذ والسلطان في الخارج. ومن هنا اعتمد الحكّام المستبدون على جمع المعلومات الدقيقة عن الانتماءات السياسية والاجتماعية لمواطنيهم، لاستخدامها في الوقت المناسب من أجل فرض الهيمنة شبه المطلقة عليهم. كما استعانوا بالمتنفذين المحليين لاستهداف الشخصيات والجماعات التي يُنظر إليها بعين الريبة، أو التي قد تشكّل تهديداً مباشراً أو غير مباشر للنظام، في مقابل مكافأة المؤيدين وضمان ولائهم.
وهكذا يصبح الحاكم الطاغية شديد الحذر، غير قادر على منح ثقته الكاملة حتى لأعوانه، لأنّ الثقة المفرطة قد تمنحه صورة المغفّل، في حين أنّ انعدام الثقة يجعله يبدو متصلباً وغير متسامح. ومن هنا تتجلّى مهارته في إدارة الرعية والمحيطين به، انطلاقاً من إيمانه بأنّ البشر ـ في نظره ـ جاحدون، جشعون، متقلّبو الولاءات، يتجنّبون المخاطر ما داموا مستفيدين من الحاكم، لكنّهم ينقلبون عليه حين يقترب الخطر. ولذلك تُصبح الانتخابات وسيلة لاختيار بطانة جديدة تدين له بالولاء المطلق.
غير أنّ الحاكم غير الفطن، الذي يكتفي بكلمات المديح دون الاستعداد للمفاجآت، قد يزول حكمه سريعاً، لأنّه اشترى الولاء ولم يكسبه بقوة الشخصية أو عظمة الروح. فالخوف ـ بحسب المنطق السلطوي ـ أكثر دواماً من المحبة، لأنّ المحبة قد تنكسر عند أول تعارض للمصالح، بينما يستمر الخوف بفعل رهبة العقاب.
كما يمكن للانتخابات، ضمن هذا السياق، أن تتحوّل إلى أداة لتخويف المواطنين المعارضين للنظام، إذ قد يُفسَّر التصويت لغير مرشحي السلطة بوصفه عصياناً وتمرداً يستوجب القمع والملاحقة، حتى لا تتسع دائرة الرافضين للنظام. وفي المقابل، تصبح الأحزاب الحاكمة مسؤولة ـ نظرياً ـ عن تمثيل الشعب اجتماعياً وسياسياً، لكنّ الواقع يكشف أنّ السياسيين يهتمّون غالباً بإدارة العملية الانتخابية ذاتها أكثر من اهتمامهم بالمواطن الذي يفترض أن تكون نتائج الانتخابات في صالحه.
ومن هنا تتراجع شعبية الحكومات السلطوية، وتصبح أحزابها مهددة بالانشقاق والتلاشي، نتيجة فقدان البوصلة التي تحدّد أهداف البناء المجتمعي والسياسي، تحت سطوة الطغيان والاستبداد. وهؤلاء الطغاة يجدون متعة مضاعفة في خداع الجماهير، مستلهمين بعض أفكار مكيافيلي التي تدعو إلى تقييم الحاكم من خلال الرجال المحيطين به، وإلى اعتبار الدين ضرورة سياسية لضبط المجتمع لا لخدمة الفضيلة. كما يسعى الحكّام إلى الظهور بمظهر الرحمة لا القسوة، شرط ألّا يؤدّي ذلك إلى إضعاف هيبة السلطة، لأنّ الدولة ـ بحسب المنطق السلطوي ـ هي الجهة الوحيدة التي تحتكر العنف المشروع بموجب الدستور والقوانين.
إنّ الانتخابات، في ظل هذه الأنظمة، تُصمَّم لكي تصبّ نتائجها في مصلحة النظام أولاً وأخيراً. فحتى الانتخابات الصورية تمثّل وسيلة مهمّة لاكتساب الاعتراف الدولي، ولا سيّما عندما يرافقها حضور بعض المراقبين الدوليين، بما يسمح للسلطة الحاكمة بتقديم نفسها بوصفها ملتزمة بالعملية الديمقراطية، ولو شكلياً. ومن خلال ذلك تسعى الأنظمة إلى الحصول على «صك شرعية» دولي، حتى وإن حققت نتائج خيالية بلغت في بعض البلدان 99.99%، وهي نسب لا تعبّر عن قوة شعبية حقيقية، بقدر ما تعبّر عن سحق المعارضة وإقصائها.
كما تسمح هذه الصورة الشكلية للاستقرار بجذب بعض شركات الاستثمار الأجنبية التي ترى في «نجاح الانتخابات» ضمانة لتفادي العقوبات أو الاضطرابات السياسية. وهكذا يُعاد إنتاج الاستبداد وتوطينه، وتُطال أعمار الأنظمة القمعية التي تستند إلى حق الدولة في استخدام العنف ضد مواطنيها، بديلاً عن وجود آلية ديمقراطية حقيقية تقوم على محاسبة الحكّام وضمان تداول السلطة.