هارتس
إن إقامة «مجلس السلام» واللجنة العامة من دون أي تمثيل فلسطيني تدلّ على أنه، رغم محاولات رام الله بثّ أجواء «الأعمال كالمعتاد»، فإن ترامب لا يراهم شركاء. نتنياهو بدأ بالفعل عرقلة الخطوة، ما يعني أن أسابيع — وربما أشهر — قد تمرّ قبل إزالة «التحفّظات الأمنية» والسماح لإسرائيل للأجسام الجديدة بالعمل بصورة منتظمة في غزة.
إعلان رئيس الولايات المتحدة، دونالد ترامب، عن إنشاء مجلس السلام ليس مجرد خطوة سياسية جديدة، بل هو تصريح ذو دلالة عميقة: إعادة فرض الوصاية الدولية، وبالأساس الأميركية، على الشعب الفلسطيني. بعد 78 عامًا على النكبة وانتهاء الانتداب البريطاني، يجد الفلسطينيون أنفسهم مرة أخرى تحت انتداب — هذه المرة أميركي — مغلّف بلغة السلام، وإعادة الإعمار، والاستقرار.
المجلس الذي أعلن عنه ترامب، إلى جانب اللجنة الإدارية العامة واللجنة الإدارية الخاصة بغزة المنبثقتين عنه، لا يضم أي ممثل فلسطيني — لا منتخبًا، ولا معيّنًا، ولا حتى «مقبولًا». هذه الهيئات يُفترض أن تضع السياسات، وترسم الخطط، وتتخذ قرارات مصيرية. وحتى إن أُحيل جزء من القرارات إلى «لجنة التكنوقراط» في غزة، فإن الأمر لا يعدو كونه نقلًا للتعليمات. أعضاء لجنة التكنوقراط، رغم كونهم فلسطينيين من غزة، يفتقرون إلى أي تأثير حقيقي: هم موظفون، لا صنّاع قرار. وأي محاولة للخروج عن الخط المرسوم من الأعلى قد تنتهي باستبدالهم فورًا. هكذا يعمل الانتداب، وهكذا تعمل منظومة بلا سيادة.
في رام الله، يحاولون إظهار الأمور وكأنها تسير بشكل طبيعي. رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وطاقمه — ولا سيما نائبه حسين الشيخ ورئيس جهاز المخابرات ماجد فرج — يمكنهم الادعاء بوجود مشاورات واتصالات مع توني بلير ومع نيكولاي ملادينوف. في الأسبوع الماضي، سارعوا حتى إلى الترحيب بتشكيل لجنة التكنوقراط والإشادة بترامب، رغم أنهم يدركون أيضًا أن تأثيرهم هامشي. المسار يجري من فوق رؤوسهم، من دونهم، ورئيس الولايات المتحدة لا يراهم شركاء حقيقيين.
وبالتوازي، وكما كان متوقعًا، بدأ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليوم (السبت)، فور انتهاء السبت، بعرقلة المسار وأعلن معارضته لهوية أعضاء اللجنة الإدارية لغزة. المعنى واضح: إلى أن تُرفع «التحفّظات الأمنية» وإلى أن تسمح إسرائيل بعمل منتظم للجنة الإدارية لغزة ولجنة التكنوقراط، قد تمر أسابيع وربما أشهر، إلى أن يتم تفريغ جميع القرارات من مضمونها.
إلى ذلك، يجب إضافة أن واشنطن نفسها لا تتعجل. ترامب لا يخفي أن مجلس السلام، الذي يعمل تحت رعايته، مخصّص أيضًا للتعامل مع نزاعات أخرى في العالم. القضية الفلسطينية هي واحدة من عدة قضايا، وليست بالضرورة الأكثر إلحاحًا؛ فضلًا عن أن مسألة مصدر عشرات مليارات الدولارات المطلوبة لإعادة إعمار غزة لم تُحسم بعد.
في واقع عام 2026، مصير الفلسطينيين في قطاع غزة ليس بيد أي جهة فلسطينية رسمية. السلطة الفلسطينية، التي سعت للعودة إلى القطاع عبر «البوابة السياسية»، تفقد في الوقت نفسه قدرتها على السيطرة على مناطق الضفة الغربية، وتواجه تآكلًا مستمرًا. أما في غزة نفسها، فالنقاش مختلف تمامًا. لا يُسأل من سيحكم ومن سيقرّر، بل يُبحث عن إجابات للاحتياجات الأساسية الأكثر إلحاحًا: الغذاء، الدواء، والمأوى. الحلم الوطني تقلّص إلى البقاء اليومي. أي نافذة أمل، حتى وإن جاءت تحت رعاية أجنبية، تُنظر إليها كطوق نجاة.
لذلك، من المهم التمييز بين التصريحات الترامبية الدراماتيكية وبين التطبيق على الأرض. لكن سواء بدأ مجلس السلام عمله غدًا أو تأجّل مرارًا، فخلاصة الأمر واحدة: الفلسطينيون، الذين حلموا لأجيال بتقرير المصير وسعوا لتحقيقه، فقدوا حتى ما تبقّى منه. من دون إعلان رسمي ومن دون أعلام — مرحبًا بكم في حقبة الانتداب، نسخة 2026.






