تتقدّم الانتفاضة الشعبية الإيرانية بوصفها تعبيرًا صريحًا عن أزمات داخلية متراكمة، سياسية واقتصادية واجتماعية، وتكشف عن فجوة عميقة بين الدولة والمجتمع.
غير أنّ هذه الانتفاضة، وهي تسعى إلى تثبيت مشروعيتها وأهدافها، تواجه تحدّيًا لا يقل خطورة عن القمع الداخلي، يتمثل في الضغوط والتصريحات الأمريكية التي تهدد بتحويلها من فعل وطني مستقل إلى ورقة في صراع دولي.
إن الشرط الأول لنجاح أي انتفاضة شعبية هو وطنيتها الخالصة؛ أي أن تُعرَّف بوصفها نتاجًا للإرادة الداخلية، لا انعكاسًا لإملاءات أو رسائل خارجية. فحين تدخل الولايات المتحدة، عبر خطاب التهديد أو التصعيد، على خط المشهد الإيراني، يصبح من السهل على السلطة إعادة صياغة الحراك بوصفه استجابة لضغوط أجنبية، لا تعبيرًا عن مطالب شعبية مشروعة. وهنا تبدأ الانتفاضة بفقدان أحد أهم مصادر قوتها: الشرعية الوطنية غير القابلة للتشكيك.
يمتلك النظام الإيراني، كسائر الأنظمة السلطوية، خبرة طويلة في توظيف العامل الخارجي لإعادة إنتاج تماسكه الداخلي.
فالضغط الأمريكي يسمح له بالانتقال من موقع المتهم بالعجز والفشل إلى موقع “حامي السيادة الوطنية”.
وفي هذا السياق، تتراجع التناقضات الداخلية مؤقتًا، ويُعاد ترتيب الأولويات داخل المجتمع، بما يؤدي إلى نشوء شعبية للنظام مضادة للآنتفاضة الشعبية ، لا تقوم على الرضا عن أدائه، بل على الخوف من تدخلات الخارج.
كما تمنح الضغوط الأمريكية غطاءً سياسيًا وأمنيًا لتشديد القمع، تحت شعار مواجهة التدخل الأجنبي. فتُقدَّم الإجراءات القمعية باعتبارها دفاعًا عن الدولة، ويُصوَّر المحتجون كأدوات أو متأثرين بأجندات خارجية.
وبهذا، تخسر الانتفاضة جزءًا من حاضنتها الاجتماعية، ولا سيما تلك الفئات التي ترفض الاستبداد، لكنها ترفض في الوقت ذاته أي مساس بالسيادة الوطنية.
وتزداد الإشكالية تعقيدًا حين تصدر هذه الضغوط عن إدارة أمريكية ارتبط اسمها، وخصوصًا في عهد دونالد ترامب، بتسييس قضايا الشعوب وتوظيفها في صراعات النفوذ.
فمثل هذا الخطاب يفتقر إلى المصداقية لدى الرأي العام الإيراني، ولا يُقرأ بوصفه دعمًا حقيقيًا لحقوق الإنسان، بل كجزء من صراع استراتيجي مع إيران كدولة ونظام.
بناءً على ذلك، فإن الحفاظ على فرص الانتفاضة الشعبية الإيرانية في تحقيق أهدافها يمرّ عبر تحصينها من التدخلات الخارجية، لا عبر استدعائها. فالتغيير لا يُفرض بالتهديدات، ولا يُبنى بالتصريحات، بل حين تفقد السلطة قدرتها على الاختباء خلف شماعة “العدو الخارجي”، وتُجبر على مواجهة شعبها مباشرة.
إن انتفاضة وطنية مستقلة في خطابها وأهدافها هي وحدها القادرة على إحداث اختراق حقيقي في بنية السلطة.
أما الضغوط الأمريكية، مهما بدا ظاهرها داعمًا، فغالبًا ما تنتهي إلى خدمة الأنظمة أكثر مما تخدم الشعوب.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض






