– باحث في علم الاجتماع الأسري وعلم الفلسفة
مقدمة تحليلية
تمثل البروفيسور صباح عياشي نموذجاً فريداً في الحقل السوسيولوجي العربي، حيث تداخل في شخصيتها العلمي مع الإنساني، والأكاديمي مع القيمي، لتغدو بذلك ليس فقط أستاذة جامعية في قسم علم الاجتماع بكلية العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة الجزائر 2، بل مشروعاً معرفياً متكاملاً يختزن رؤية عميقة لطبيعة المجتمع الإنساني وتحولاته.
لقد استطاعت أن تؤسس حضوراً علمياً راسخاً في الذاكرة السوسيولوجية الجزائرية والعربية، من خلال إنتاجها المعرفي النوعي، وإسهاماتها في تفكيك الظواهر الاجتماعية وتحليلها وفق مقاربات علمية دقيقة، تقوم على البرهان السوسيولوجي واليقين العلمي.
أولاً: المشروع السوسيولوجي – تأسيس علم الاجتماع العائلي
قدّمت البروفيسور صباح عياشي مشروعاً علمياً متكاملاً في علم الاجتماع العائلي، حيث أولت الأسرة مكانة مركزية باعتبارها النواة الأولى للمجتمع، وأساس الاستقرار والتوازن الاجتماعي في مختلف أبعاده.
في تصورها، لا تُختزل الأسرة في كونها بنية اجتماعية تقليدية، بل هي:
فضاء ديناميكي لإنتاج القيم
بيئة حاضنة للتنشئة الاجتماعية
منبع أساسي للرعاية والتكافل (خاصة تجاه الوالدين وكبار السن والمرضى)
كما أكدت على أن الأسرة تمثل الأساس الميكرو-سوسيولوجي الذي تنبثق منه أنماط الاستقرار الاجتماعي، حيث يتشكل الفعل الاجتماعي داخلها عبر العمل الجماعي والتفاعل اليومي.
ثانياً: البعد الإنساني والعالمي للأسرة
لم تقف إسهاماتها عند حدود المجتمع الجزائري، بل تجاوزت ذلك إلى تأكيد عالمية الأسرة الإنسانية، معتبرة إياها بنية مشتركة بين مختلف المجتمعات، رغم اختلاف السياقات الثقافية.
وقد أسهم هذا الطرح في:
إعادة تعريف العلاقات الاجتماعية على المستوى العالمي
إبراز التشابه البنيوي بين الأسر الإنسانية
فهم التفاعل بين المحلي والعالمي في تكوين الأسرة
ثالثاً: تشخيص الظواهر الاجتماعية – من النظرية إلى التطبيق
تميّزت البروفيسور صباح عياشي بقدرتها الفريدة في ربط النظرية بالتطبيق، حيث لم يكن دورها أكاديمياً صرفاً، بل تحوّل إلى ممارسة تحليلية نقدية للواقع الاجتماعي.
وقد وجّهت طلابها – وأنا أحدهم – لدراسة وتشخيص ظواهر اجتماعية معقدة مثل: الاسرة الفلسطينية ومكوناتها وطبيعتها بعد النكبة ….
الطلاق…
تعدد الزوجات…
تعاطي المخدرات.
استهلاك المشروبات الروحية..
ليس فقط بوصفها مشكلات، بل كظواهر قابلة للفهم العلمي وإيجاد حلول سوسيولوجية لها، مما أسهم في إنتاج معرفة تطبيقية تخدم المجتمع.
رابعاً: إنتاج النخبة الأكاديمية – صناعة العقول
من أبرز إسهاماتها أنها لم تكتفِ بإنتاج المعرفة، بل أنتجت منتجي المعرفة، حيث خرّجت عشرات الدكاترة والدكتورات الذين أصبحوا فاعلين في الحقل الأكاديميوانا وحد منهم
لقد كانت:
مدرسة في التفكير النقدي
مرجعية في النقاش العلمي
موجّهة منهجية لطلابها في تحليل الظواهر
وقد علمتنا كيف نفكر، لا ماذا نفكر، وكيف نحاور النظريات لا أن نستهلكها.
خامساً: التعدد المعرفي والانفتاح على الحقول المجاورة
امتد مشروعها ليشمل حقولاً متعددة، حيث ناقشت قضايا الساعة في:
علم الديموغرافيا
القانون الاجتماعي
علم النفس السريري
اقتصاد العمل
كما قدمت مقاربة جديدة تربط بين الحركة النسوية وعلوم الاجتماع، مما أعاد الاعتبار لمتغير النوع الاجتماعي (Gender) كعنصر تحليلي أساسي في فهم البنى الاجتماعية.
سادساً: التحليل المقارن للفكر السوسيولوجي
قامت البروفيسور صباح عياشي بعمل علمي رصين تمثل في:
تحليل أعمال العلماء الغربيين والعرب
تقديم مسح منهجي للدراسات الأسرية
كشف تأثير الفكر الغربي في السوسيولوجيا العربية
وقد أسهم هذا الجهد في:
بناء وعي نقدي لدى الباحث العربي
تحرير المعرفة من التبعية النظرية
إعادة إنتاج مفاهيم سوسيولوجية ملائمة للسياق العربي
سابعاً: الأكاديمية ككائن حي
إن البروفيسور صباح عياشي ليست مجرد أستاذة، بل:
كائن حي داخل الحياة الأكاديمية، انتمت إليها بكل جوارحها، وتمثلت الحياة في عمقها السوسيولوجي.
لقد كانت:
نقطة مضيئة في سماء المعرفة
نموذجاً للإبداع الاجتماعي
تجسيداً للعلاقة بين العلم والحياة
خاتمة: اعتراف ووفاء
ختاماً، أتقدم أنا الدكتور صالح الشقباوي، أحد طلابها، بجزيل الشكر والعرفان للبروفيسور صباح عياشي، على ما قدمته للعلوم الاجتماعية عامة، وعلم الاجتماع خاصة.
لقد علمتنا:
كيف نفكر
كيف نحلل
كيف نناقش النظريات بوعي نقدي
وما قدمته من إنتاج علمي، وما خرجته من أجيال أكاديمية، سيبقى قيمة خالدة في الذاكرة السوسيولوجية الجزائرية والعربية.
شكراً لها… لدورها العميق، ولأثرها الذي لا يزول.
البرفسور صباح عياشي.. عالم وعِلم وقيمة خالدة في الذاكرة السوسيولوجية العربية عامة والجزائرية خاصة
بقلم وتحليل الدكتور صالح الشقباوي




