د.صالح الشقباوي
لا يمكن الحديث عن مسار الفلسفة الجزائرية المعاصرة دون التوقف بإجلال أمام اسم البروفيسور عبد الرحمن بوقاف، الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ الفكر الجزائري الحديث، ليس بوصفه أستاذاً جامعياً فحسب، بل باعتباره مشروعاً فلسفياً متكاملاً أسهم في تأسيس وعي نقدي جديد داخل الجامعة الجزائرية، وربط الفلسفة بالإنسان والمجتمع والتاريخ، وجعل من الفكر أداةً لتحرير العقل لا وسيلةً لإعادة إنتاج المسلمات.
لقد أدرك البروفيسور عبد الرحمن بوقاف أن الفلسفة ليست ترفاً ذهنياً، وإنما هي فعل تاريخي يهدف إلى تغيير الواقع وإعادة بنائه. ومن هذا المنطلق، استلهم الجدل الديالكتيكي عند الفيلسوف الألماني هيغل، لكنه لم يتعامل معه باعتباره نسقاً مغلقاً، بل أعاد قراءته وتطويره بما ينسجم مع خصوصية المجتمع الجزائري وتاريخه الثقافي والاجتماعي، ليصبح الجدل عنده أداة لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي عرفتها الجزائر بعد الاستقلال، ومنهجاً لإنتاج معرفة نقدية تنطلق من الواقع وتعود إليه.
لقد نجح بوقاف في تحرير الجدل الهيغلي من طابعه الأوروبي المغلق، ومنحه بعداً عربياً وجزائرياً، فربط بين الفكر والممارسة، وبين التاريخ والهوية، وبين العقل والحرية، ليؤسس بذلك أحد أهم مشاريع الحداثة الفلسفية الجزائرية المعاصرة.
ولم يكن تأثيره مقتصراً على مؤلفاته ومحاضراته، بل امتد إلى أجيال كاملة من الباحثين الذين تتلمذوا على يديه، فكان بالنسبة إليهم أستاذاً وموجهاً ومربياً للعقول. لقد علّم طلابه أن الفلسفة ليست حفظاً للنظريات، بل هي قدرة على السؤال، وعلى الشك المنهجي، وعلى إنتاج المعرفة الجديدة.
وأعتز، بصفتي أحد تلامذته، بأنني تلقيت على يديه جانباً مهماً من تكويني الأكاديمي، ونلت بإشرافه درجة الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة بجامعة الجزائر 2. ولم يكن تأثيره فيّ علمياً فقط، بل كان إنسانياً وأخلاقياً؛ فقد علمني أن الباحث الحقيقي هو الذي يمتلك شجاعة الموقف بقدر امتلاكه لأدوات المعرفة، وأن قيمة الفلسفة تقاس بقدرتها على خدمة الإنسان والدفاع عن العدالة والحرية.
ومن أبرز السمات التي ميّزت شخصية البروفيسور عبد الرحمن بوقاف انحيازه الأخلاقي والإنساني للقضية الفلسطينية، فقد ظل يعتبر فلسطين قضية تحرر إنساني قبل أن تكون قضية سياسية، وكان يرى أن الاحتلال لا يمكن أن ينتج شرعية مهما حاول أن يكسو نفسه بالمقولات الفلسفية أو القانونية.
كما خاض مواجهة فكرية عميقة مع الخطابات الصهيونية التي حاولت توظيف بعض مفاهيم الفلسفة الغربية، ومنها الجدل الهيغلي، لإضفاء مشروعية فلسفية على المشروع الصهيوني. وكان يؤكد أن هذا الاستخدام ليس سوى قلبٍ للجدل الهيغلي رأساً على عقب، وتحويلٍ لفلسفة الحرية إلى فلسفة تبرر الاستعمار والاقتلاع والاستيطان، وهو ما يتناقض مع الجوهر الإنساني للفلسفة ومع المبادئ الكونية للعدالة.
لقد كان البروفيسور بوقاف يرى أن الفكر الحقيقي لا ينفصل عن الضمير، وأن الفيلسوف لا يجوز أن يقف محايداً أمام الظلم، ولذلك بقي صوته منحازاً إلى الحق وإلى الشعوب التي تناضل من أجل حريتها وكرامتها، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.
إن الحديث عن عبد الرحمن بوقاف ليس حديثاً عن أستاذ جامعي رحل أو عن مفكر ترك مؤلفات فحسب، بل هو حديث عن مدرسة فلسفية متكاملة، وعن مشروع تنويري أسهم في صناعة العقل الجزائري المعاصر، ورسّخ قيم الحوار والعقلانية والحداثة، وفتح أمام الباحثين آفاقاً جديدة لفهم الإنسان والمجتمع والتاريخ.
وسيظل اسم البروفيسور عبد الرحمن بوقاف حاضراً في ذاكرة الجامعة الجزائرية، وفي ضمير تلامذته، وفي تاريخ الفلسفة العربية، بوصفه واحداً من أبرز رواد الحداثة الفلسفية الجزائرية، وأحد المفكرين الذين جعلوا من الفلسفة رسالةً للحرية، ومن المعرفة طريقاً لتحرير الإنسان وتحرير فلسطين من الصهيونية والصهيونين.