البلطجة الأمريكية وامتهان القانون الدولي: حين تتفاخر القوة بانتهاك الشرعية …!

بقلم د.عبدالرحيم جاموس

في تصريح فجّ ومثير للقلق، قال وزير الحرب الأمريكي إن “لا دولة على وجه الأرض يمكنها تنفيذ عملية كالتي نفذناها”، في إشارة إلى عمل عسكري خارج الحدود، في تحدٍّ واضح ليس فقط للدول المعنية، بل لمنظومة القانون الدولي برمّتها. هذا التصريح، بما يحمله من تباهٍ بالقوة المجردة، لا يمكن قراءته كزلة لسان أو خطاب استهلاكي داخلي، بل هو تعبير صريح عن نهج سياسي وقانوني أمريكي بات يتعامل مع القانون الدولي باعتباره قيدًا على الآخرين، لا التزامًا على الذات.
قانونيًا، يُعد استخدام القوة العسكرية خارج حدود الدول ذات السيادة خرقًا مباشرًا لميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة (2/4) التي تحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها في العلاقات الدولية، إلا في حالتي الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة (51)، أو بتفويض صريح من مجلس الأمن.
وما لم تُقدّم الولايات المتحدة تبريرًا قانونيًا يستوفي هذه الشروط الصارمة، فإن أي عملية عسكرية أحادية تُصنّف، من حيث المبدأ، كعمل عدواني، بغض النظر عن الذرائع السياسية أو الأمنية التي تُسوّق له.
الأخطر من الفعل ذاته هو الاعتراف العلني به والتفاخر به، إذ إن ذلك يُسقط أي غطاء أخلاقي أو قانوني، ويحوّل الانتهاك إلى سياسة مُعلنة.
فالقانون الدولي الإنساني، الذي وُضع لحماية المدنيين وتقليص آثار النزاعات المسلحة، يقوم على مبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية.
أما منطق “نستطيع لأننا الأقوى”، فينسف هذه المبادئ من أساسها، ويُعيد العالم إلى شريعة الغاب، حيث لا مكان للعدالة ولا للمساءلة.
سياسيًا، تعكس هذه التصريحات أزمة عميقة في بنية النظام الدولي الراهن.
فالولايات المتحدة، التي طالما قدّمت نفسها كحامية للنظام العالمي القائم على القواعد، باتت تُمارس دورًا نقيضًا، عبر تكريس الأحادية وتهميش المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
هذا السلوك لا يضرب فقط مصداقية واشنطن، بل يضرب جوهر النظام الدولي نفسه، ويفتح الباب أمام قوى أخرى لتبرير انتهاكاتها بالمنطق ذاته، ما ينذر بفوضى دولية متصاعدة.
ولا يمكن فصل هذا النهج عن سياسة الكيل بمكيالين التي وسمت الأداء الأمريكي لعقود.
فحين تنتهك دول بعينها سيادة دول أخرى، تُفرض العقوبات وتُستدعى لغة القانون الدولي، أما حين تقوم الولايات المتحدة بالفعل ذاته، يتحول الخطاب إلى “ضرورات أمنية” و”استثناءات خاصة”. هذه الانتقائية لا تُضعف القانون الدولي فحسب، بل تُفرغه من مضمونه الأخلاقي، وتحوله إلى أداة سياسية تُستخدم ضد الضعفاء وتُعطّل أمام الأقوياء.
إن خطورة ما جرى لا تكمن في العملية العسكرية بحد ذاتها فقط، بل في تطبيع فكرة الإفلات من العقاب، وتحويل انتهاك السيادة إلى سلوك مشروع إذا صدر عن قوة عظمى.
وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي، الذي لم يعد يملك ترف الصمت أو البيانات الرمادية.
فالتغاضي عن هذه الممارسات يعني المشاركة غير المباشرة في هدم ما تبقى من قواعد تضبط العلاقات الدولية.
خلاصة القول :
أن ما نشهده اليوم هو اختبار حقيقي لمستقبل النظام الدولي: إما العودة إلى منطق القانون والشرعية الدولية، أو الانزلاق الكامل نحو عالم تحكمه القوة وحدها.
فالولايات المتحدة، بصفتها قوة كبرى، مطالبة قبل غيرها بالالتزام بالقانون الدولي لا بازدرائه، وبالقدوة لا بالبلطجة.
أما عالم يُدار بعقلية التفوق العسكري والتفاخر بانتهاك القانون، فهو عالم يزرع بذور الفوضى، ويُقوّض أسس الأمن والسلم الدوليين، ويجعل الجميع، دون استثناء، أسرى منطق القوة بدل قوة الحق و القانون .
عملية فنزولا لم تنتهي بعد ، سيكون لها تداعيات عالمية مخيفة ، ستتسبب في فوضى عارمة وقد تنتقم كل من الصين والسوفيت بطرق مختلفة وفي اماكن مختلفة .
فامريكا فتحت باب لن يقفل بسهولة .
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض