“البوسنة تشبهنا”… من ملاعب الحرب إلى مونديال المجد… وفلسطين في قلب المدرجات

احمد البخاري/ القدس

ليست كل المنتخبات التي تشارك في كأس العالم متشابهة، فهناك منتخبات تحمل معها تاريخاً من البطولات والإنجازات، وأخرى تحمل في ذاكرتها جراح الحروب وقصص الصمود. ومن بين هذه المنتخبات يقف المنتخب البوسني، الذي يشبه الفلسطينيين في كثير من تفاصيل الحكاية، ويجعل من كل انتصار يحققه مناسبة تلامس وجدان كل فلسطيني.
قبل سنوات قليلة، لم تكن البوسنة والهرسك تعيش أجواء الملاعب المضيئة، بل كانت تعيش تحت أزيز الرصاص وسقوط القذائف، حيث دفع شعبها ثمناً باهظاً للحرب التي مزقت البلاد وخلفت آلاف الضحايا والمهجرين، ومع ذلك، لم يستسلم هذا الشعب، وتمسك بالحياة، وبنى دولته من جديد، وأعاد لكرة القدم مكانتها كرمز للأمل والانتصار على المأساة.
واليوم، يقف المنتخب البوسني في نهائيات كأس العالم 2026، رافعاً علم بلاده بكل فخر، بعدما تحول حلم الأمس إلى حقيقة، وأثبت أن الشعوب التي تمتلك الإرادة قادرة على تجاوز أصعب الظروف وصناعة مستقبل أفضل.
لكن ما يجعل قصة البوسنة أكثر قرباً من الفلسطينيين، ليس فقط تشابه المعاناة، بل المواقف الإنسانية الصادقة التي لم تغب عن جماهيرها ولا عن لاعبيها. ففي مدرجات المونديال، يرفرف العلم الفلسطيني إلى جانب العلم البوسني، وترتفع الهتافات المؤيدة لفلسطين، في مشهد يعكس وفاء شعب عرف معنى الاحتلال والحصار والقتل، فاختار أن يقف إلى جانب شعب لا يزال يناضل من أجل حريته.
إنها رسالة تتجاوز حدود كرة القدم، وتؤكد أن الرياضة يمكن أن تكون منصة للمحبة والتضامن، وأن المدرجات ليست فقط مكاناً للتشجيع، بل مساحة للتعبير عن القيم والمبادئ والانحياز للعدالة.
الفلسطينيون وهم يتابعون المنتخب البوسني، لا يرون مجرد فريق يبحث عن الفوز، بل يرون قصة شعب نهض من بين الركام، ونجح في تحويل الألم إلى إنجاز، واليأس إلى أمل، والحرب إلى حكاية نجاح تروى للأجيال.
ومن هنا، فإن فرحة الفلسطينيين بانتصارات البوسنة ليست مجرد تعاطف رياضي، بل هي تقدير لتجربة إنسانية ملهمة، وإيمان بأن الشعوب التي تصبر وتتمسك بحقها قادرة على كتابة مستقبلها مهما طال الزمن.
من فلسطين… كل التحية للبوسنة والهرسك، شعباً ومنتخباً وجماهير. تحية لشعب لم ينسَ فلسطين وهو يحتفل بانتصاراته، ولم يتخلَّ عن مواقفه الإنسانية وهو يقف على أكبر منصة كروية في العالم.
فوزكم يسعدنا… لأن البوسنة تشبهنا، ولأن الشعوب التي ذاقت مرارة الحرب تعرف جيداً قيمة الحرية، ومعنى أن يبقى العلم مرفوعاً رغم كل الجراح.