جاري التحميل...

التحرر السياسي والتحرر الذاتي:

في المفهوم:
إذا كان التحرر السياسي في سياقه العام وفي أبسط صوره يعني تخليص الفرد والمجتمع من سلطتي الاستبداد والجهل والتخلف ممثلة أولاً: في سلطة النظام السياسي القائم وأدواته من مطبلين ومزمرين سياسيين ومثقفين ورجال دين انتهازيين في هذه الدولة أو تلك, التي يخضع لها هذا المجتمع أو ذاك في مرحلة تاريخية محددة, وثانياً: في طبيعة السلطة الخارجية الاستعمارية التي تفرض هيمنتها على هذه الدولة أو تلك في مرحلة تاريخية محددة أيضاً, وغالباً ما فُرضت هذه السلطة على هذه المجتمعات تاريخياً تحت مسميات ذات طابع إنساني, مثل الوصاية والحماية والانتداب .. إلخ . فالتحرر السياسي وفق هذه المعطيات غالباً ما يأتي كمقدمات أولية تؤسس فيما بعد للتحرر الذاتي, أو كشرط أساس لفسح المجال واسعاً أمام الشعوب المستعبدة كي تعي ذاتها, من حيث, مكامن قوتها وضعفها في تحقيق تحررها الذاتي, وبالتالي معرفة مكانها ودورها ومساهمتها أيضاً في المضمار الدولي.
إذن, إذا كان التحرر السياسي, هو المدخل الرئيس للمجتمعات كي تحقق تحررها الذاتي من الاستبداد والاستعمار, هذا التحرر الذي يعني في سياقه العام تحقيق النهضة واثبات الذات في مضمار الساحة الوطنيّة والعالميّة والمساهمة في إعمار المعمورة.
فإن التحرر الذاتي بالنسبة لمثل هذه المجتمعات, ومنها مجتمعنا العربي ممثلاً في أنظمته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة, هو وعي هذا المجتمع أو ذاك لذاته, وموقعه ودرجة حضوره وفاعليته وتأثيره في واقعه والمحيط القائم حوله, ثم ما مدى قدرة حوامله الاجتماعيين على تحقيق نهضة هذا المجتمع ودولته, وتخليصهما من معوقات حضورهما الفاعل اقتصاديّاً واجتماعيّا وسياسيّاً وثقافيّاً, أو بتعبير آخر إقامة الدولة المدنيّة, دولة لمواطنة والقانون والمؤسسات والتعدديّة والتشاركيّة واحترام الرأي والرأي الآخر والتصدي لكل الفكر الغيبي الامتثالي الاستسلامي الذي يحول بين الإنسان وقدرته على تحقيق مصيره بنفسه وليس بالاتكال على قوى أخرى خارج عالمه أو داخله.
إن تحقيق وعي الذات هذا, أي التحرر الذاتي, يتطلب منا بالضرورة النظر في مجموعة من المعطيات والوقوف عندها, أو الاشتغال عليها, كونها تشكل القواعد أو المنطلقات الأخرى التي لابد من تحققها إلى جانب منطلق التحرر السياسي الذي أشرنا إلى أهميته قبل قليل. وأهم هذه المنطلقات يمكننا تضمينها في الأسئلة التالية والاجابة عنها :
1- أين نحن من التحرر السياسي ؟.
2- أين موقع الحامل الاجتماعي النهضوي في مجتمعاتنا العربية ؟.
3- ما هو موقع الدولة في مجتمعاتنا, وأين نحن من دولة القانون؟.
4- ما هو مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في مجتمعاتنا ؟.
5- ما مدى تأثير الأصالة ( التراث ), والمعاصرة (الحداثة ) على وعي وسلوكيات هذه المجتمعات ؟.
هذه أسئلة تحمل في مضمونها جملة من المنطلقات أو الأسس التي تشكل حوامل رئيسة لمشروع التحرر الذاتي, تتطلب منا الإجابة عليها لمعرفة دورها ومكانتها في هذا المشروع.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.