بعد الانفراج النسبي الذي ساد الأجواء بين فريقي التفاوض الأميركي والإيراني خلال الأيام ال 11 الماضية من وقف إطلاق النار، عادت الأجواء تتلبد بالغيوم أمس السبت 18 نيسان / ابريل الحالي، حيث أعلنت وكالة “تسنيم” الإيرانية خبرا عاجلا عن مصدر مسؤول مفاده، أن إيران ترفض الدخول في جولة مفاوضات جديدة عبر الوسيط الباكستاني، وقد أبلغت واشنطن أنها لا تريد الدخول في مفاوضات استنزافية بلا جدوى، وأن شروطها (إيران) واضحة لوقف إطلاق النار ولن تتخلى عنها. وهذا ما أكده مجلس الأمن القومي الإيراني أمس السبت ببيان صادر عنه، جاء فيه: العدو (الأميركي) طرح مطالب جديدة ومفرطة في مفاوضات باكستان، فواجه موقفا حازما من وفدنا – إيران عازمة على السيطرة على حركة المرور عبر مضيق هرمز حتى انتهاء الحرب بشكل نهائي. إذا واصل العدو فرض حصار بحري، فإن إيران ستمنع الفتح المشروط والمحدود لمضيق هرمز.
وعلى إثر ذلك، لجأت قوات الحرس الثوري لانتهاج سياستها السابقة لوقف إطلاق النار في المضيق، رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائب الرئيس جي دي فانس أعلنوا مواقف متفائلة بشأن التوصل الى أتفاق شامل مع النظام الفارسي، بيد أنهم ذهبوا بعيدا في مواقفهم المبشرة بالانفراج، حيث صرح ترمب مرات عدة عن “موافقة” طهران على فتح مضيق هرمز، وتسليم اليورانيوم المخصب لواشنطن، والاستعداد للتخلي عن ادواتها في المنطقة، وغيرها من المواقف التي عكست الرغبة والتصور الأميركي، وهو ما أكده السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام صديق ترمب الشخصي يوم الثلاثاء 14 ابريل الحالي، في منشور له على منصة “إكس”، وجاء فيما كتبه: أن موقف الرئيس دونالد ترمب واضح، معتبرا أن طهران قد تلجأ الى “اللعبة القديمة” عبر إطالة أمد المفاوضات من خلال تقديم تنازلات شكلية لا تمس جوهر الملفات الخلافية، وحدد الخطوط العريضة للموقف الأميركي بالتالي: أولا عدم السماح بأي تخصيب لليورانيوم؛ ثانيا إخضاع نحو 900 رطل من اليورانيوم عالي التخصيب لسيطرة أميركية؛ ثالثا فتح مضيق هرمز من دون أي تدخل إيراني؛ رابعا التخلي الإيراني عن برنامجها للصواريخ البالستية بعيدة المدى، وأي مساعٍ لتطوير سلاح نووي؛ خامسا وقف دعم جميع الوكلاء المسلحين في المنطقة.
وأشار غراهام الى أن هذه الشروط من شأنها أن تتيح لإيران “الاستمرار كدولة، لكن ليس كأكبر دولة راعية للإرهاب.” وحذر من التكهنات المتداولة بشأن احتمال تمديد جديد لوقف إطلاق النار بهدف التوصل الى اتفاق مع إيران، معربا عن أمله في أن تكون هذه الأنباء “غير دقيقة”. وختم السيناتور الأميركي بالقول، أنه في حال عدم التوصل الى اتفاق “فقد حان الوقت لحسم الأمر.” وذات الامر أعلنه فانس يوم الأربعاء 15 ابريل الحالي، لكن بعبارات مخففة، لكن بذات المضمون.
وبدا للمراقبين والرأي العام المتابعين للمواقف الأميركية، وكأن القيادة الإيرانية وافقت على الشروط الأميركية، من خلال مبادرة إيران على فتح مضيق هرمز خلال الأيام الماضية، وإمعانا في غطرسة الإدارة الأميركية وللإيحاء للرأي العام الأميركي والعالمي بأن إيران سلمت بالموقف، لجأ ترمب لفرض حصار بحري على إيران، مما دفع القيادات الفارسية لإعلان رفضها مواصلة المفاوضات في باكستان، رغم أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير زار إيران لثلاثة أيام حمل مطالب أميركية جديدة، انتهت أول أمس الجمعة 17 ابريل الحالي، وعدته القيادة الايرانية بدراستها، وأمس السبت جاء ردها رافضا لها، وأعادت إغلاق المضيق مجددا، وأطلقت النيران على بعض السفن التي حاولت المرور من المضيق.
واتضح للقيادة الفارسية أن الإدارة الأميركية تريد تجريد إيران من أوراق القوة التي تمتلكها، مما دعاها الى التخلي عن مسار المفاوضات حاليا، لكن لا أعتقد أنها أدارت الظهر كليا للخيار الدبلوماسي، لكن في لعبة عض الأصابع، والشّد والرخي بين الطرفين المتحاربين، تسعى جمهورية الملالي لتحسين شروط التفاوض. لا سيما وان الرئيس ترمب معني بالوصول لاتفاق شامل مع النظام الفارسي. لأن فترة ال 60 يوما الممنوحة له وفق الدستور الأميركي قاربت على الانتهاء، كما انه يأخذ بعين الاعتبار الاقتراب من الانتخابات النصفية، فضلا عن انه لم يحقق أي من الأهداف التي أعلنها في اليوم الأول من الحرب على إيران، وجوهرها تغيير النظام في طهران، التي تراجع عنها، وبات يطالب بأهداف أقل قسوة حددها غراهام بوضوح، ورفضتها طهران، لإدراكها ان واشنطن تريد تحقيقها عبر التفاوض، ودفعها لإغلاق الباب مواربة، بانتظار ردود الفعل الأميركية، وما ستؤول اليه الساعات القادمة من التجاذبات بين الجانبين.
مع الإشارة الى أن هناك معلومات رشحت عن مصادر أمنية روسية أمس السبت، تشير الى ان الولايات المتحدة تحشد نحو 50 ألف جندي وسفن حربية وحاملات طائرات تستعد للهجوم البري على إيران بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار التي تنتهي يوم الثلاثاء القادم 21 ابريل الحالي، بالتعاون مع إسرائيل، وواضح أن هذه المعلومات وصلت للقيادة الإيرانية مما عزز لديها القناعة أن لعبة الاستغماية الأميركية باتت مكشوفة، وبالتالي التشاؤل يتضاعف مع ورود المعلومات الاستخبارية الروسية، وفي حال تمت العملية البرية الواسعة فإن معادلة الصراع والحرب ستختلف كليا عما هو عليه الوضع الان، بتعبير أدق ستنخرط بالضرورة قوى أخرى. ولا يمكن التنبؤ بما ستكون عليه الخارطة الجيوسياسية القادمة.
ومن المؤكد أن إسرائيل وأركان حكومتها ستكون المستفيد الأبرز من عودة دائرة الحرب، كما كانت قبل وقف إطلاق النار، وقد تُخلط الأوراق مجددا، مما يغير قواعد الحرب الدائرة حتى الان، وستحمل معادلات وحسابات جديدة الأطراف المختلفة في قادم الأيام. وبالتالي فإن التشاؤل بات سيد الموقف.







