التغريبة الفلسطينية -حكايا المخيم- ، وليد سيف

مهند طلال الاخرس

وليد سيف التغريبة الفلسطينية الجزء الثاني حكايا المخيم، رواية تقع على متن 468 صفحة من القطع المتوسط، هي من اصدارات ةلاهلية للنشر والتوزيع عمان/الاردن سنة 2023 بطبعتها الثانية.

رواية التغريبة الفلسطينية: حكايا المخيم هي الجزء الثاني من ثنائية الروائي والكاتب الفلسطيني وليد سيف، وتأتي بعد الجزء الأول التغريبة الفلسطينية: أيام البلاد. والرواية تتميز بواقعية شديدة لأنها تعتمد على: احداث تاريخية حقيقية، شهادات حية وواقعية من حياة اللاجئين وواقعهم المعاش في المخيم.

تتناول الرواية مرحلة السقوط للبلاد ومحاولات المقاومة البائسة اثناء النكبة وما رافقها من صور واحداث ماساوية بقيت جرحا غائرا في الذاكرة…

ثم تغوص الرواية اكثر في وصف المشاهد التي تلت النكبة، حيث ينتقل السرد من فلسطين قبل 1948 إلى حياة اللجوء في المخيمات، وبالذات مخيم طولكرم… حيث توثّق الرواية تحوّل المجتمع الفلسطيني من مجتمع ريفي مرتبط بالأرض ويعتاش من عمل وزرع وثنع بديه، إلى مجتمع منفي يعيش في المخيم بانتظار المساعدات وطاقة القدر وانتظار الفرج…ومعهما يبحث عن معنى جديد للحياة والمقاومة.

يبدأ الجزء الثاني بعد مأساة النكبة، حيث تُهجَّر عائلة الشيخ يونس من قريتها، وتجد نفسها في المخيم. والمخيم هنا ليس مجرد مكان للسكن، بل فضاء جديد للهوية الفلسطينية حيث: الخيام، الفقر العوز، المؤن والاعاشة، فقدان الأرض، وتشظي الهوية والدخول في المجهول وضبابية الغد… حيث تتحول الحياة من العمل في الأرض إلى حياة قائمة على المعونات والبطالة والانتظار وتمضية اليوم وتامين لقمة العيش. وهنا يبرز المخيم كعالم اجتماعي جديد، حيث تصف الرواية تشكل مجتمع جديد داخل المخيم: صراعات الفقر والبطالة، الحنين المستمر للقرية المفقودة.، تحولات العلاقات الاجتماعية.، تضامن اللاجئين رغم البؤس. وهنا يصبح المخيم ليس مكاناً للمعاناة فقط، بل مدرسة للوعي السياسي ونشوء فكرة والتمرد على الواقع الصعب وهذا لن يتم له الامر إلا بنمو وتصاعد فكرة المقاومة ونضوجها.

تتابع الرواية في هذا الجزء مصائر أبناء العائلة بعد اللجوء:
علي: يتجه نحو التعليم والعمل الفكري، ويصبح صوت الذاكرة الفلسطينية.
حسن: يميل إلى المقاومة المسلحة وييتشهد.
ابو صالح: وما ال اليه الوضع بعد انتهاء الثورة والمصاعب الجمة التي يواجهها بعد تلك المكانة والعنفوان الذي كان به…
مسعود: الاكثر واقعية تجاه كل المصائب وتطور شخصيته ومواقفه تبعا لتطور الامور والقضايا..والذي يغادر للكويت وتتحسن احواله ويتزوج على بنت ابو عايد…
خضرة: يفرق بينها وبين اهلها الاحتلال سنة 1948 ويرجع يلتم شملهم بعد اكتمال الاحتلال..سنة 1967.
بقية أفراد العائلة: يعيشون صراع البقاء اليومي في المخيم.

وتكشف الرواية كيف تتشكل أجيال مختلفة من الفلسطينيين: جيل الأرض، جيل المخيم،جيل المقاومة.

تطوى صفحات الرواية ومعها تطوى احداث ومشاهد تذكر الفلسطيني بمأساة اباءه واجداده ، ومع مرور الصفحات و الزمن، يبدأ الوعي الوطني و السياسي بالتشكل، خصوصاً بعد نكسة 1967، حيث يظهر العمل الفدائي. ويصبح المخيم حاضنة للثورة ،ومركزاً لولادة الهوية الوطنية الجديدة وهذا ما تبوح به صفحات الرواية ابتداء من الصفحة 417 مع حكاية عطية الفدائي البطل والشهيد لاحقا والازعر سابقا، في استعراض واضح لطبيعة التحولات والتغيرات التي حدثت في بنية المخيم وافراده، والتي القت بظلالها على الجميع خاصة صلاح وصديقه عطية البدوي…

وهنا يبرز دور المخيم في الرواية ويسلط الضوء عليه من حيث أن المخيم نفسه يصبح بطلاً. فالكاتب لا يقدمه كفضاء للبؤس وةلغقر والحرمان فقط، بل كمكان: يولد فيه الوعي، وتتكون فيه الهوية، وتنبت فيه اولى بذور الثورة والمقاومة.

تنتهي الرواية بإمال وافاق عريضة رغم الالم والوجع والاسى؛ فرشدي ينتمي للثورة ويعود متسللا للفيام بعملية فدائية، فيغتنم الفرصة للقاء امه خضرة في ام الفحم وهذا ماتم له في ص463…ثم يذهب بها الى المخيم ص 466 ويلتم شمل العائلة، وهناك يشهدون موت ام سالم المجنونة ص 465.

يرجع علي وزوجته سلمى من امريكا بالشهادات العليا ويزورون المخيم؛ في مشهد يرصد الاحوال وصور النفسيات في المخيم والبيئة الاخرى [الوطنية] ص 399.
سعود يسافر للكويت للعمل هناك في رحلة مضنية كان الموت قريبا منها، يعمل في الكويت ويطور اعماله وتتسع ص 431 ويقرر ان يتزوج على بنت ابو عايد ص 437. وجود مسعود بالكويت منح الرواية فضاء زمنيا جديدا ومعه منح النكبة بعدا عربيا اخر بمجاز ورمزية ذات دلالة عالية تفتح على احتمالات كثيرة وعلى نهايات مازالت اثارها ماثلة للعيان..!!؟؟ وهذا المسار يجعل مسعود رمزاً لـ تحول الإنسان الفلسطيني من مجتمع الأرض إلى مجتمع المنفى. وعبر الدور الرمزي في الرواية يمثل مسعود الإنسان الذي يحاول النجاة من الكارثة بأي طريقة متجاوزا مأساة الوقوف على اطلال النكبة التي علق عندها الكثيرين فأصيبوا بنكبتين بدل واحدة.

شخصية مسعود في رواية التغريبة الفلسطينية: حكايا المخيم للكاتب وليد سيف تُعد من الشخصيات المهمة التي تعكس وترصد التحولات الاجتماعية والنفسية التي عاشها الفلسطيني بعد النكبة. فمسعود ليس بطلاً تقليدياً، او شخصية مثالية؛ بل هو احدى النتاجات والافرازات الطبيعية للنكبة، حاله كحال الفدائي، حتى وان طغت شخصية الفدائي على الحضور وتسيد المشهد؛ لكن لولا شخصية مسعود الواقعية لظهر الفدائي بصورة العاجز من اول المحطات… فجاءت شخصية مسعود كشخصية مركّبة تكشف جانباً من التناقضات الإنسانية في المخيم: بين الفقر والطموح، وبين الانتماء الفردي والانتماء الوطني.

ص467 بدات اخبار العمليات ةلفدائية تتوالى..فتوقد شعلة الامل الوخيدة في ليل الهزيمة… ص 46i يستعجل رشدي المقاومة ولا ينتظر التعليمات فيلجأ للمغارة حيث كان قد خبأ بندقية والده وخاله الشهيد… لكن هذه المرة كان بجانبها بندقية كلاشنكوف حديثة…. كانت تلك بندقية الثورة، “فقد ان الاون ان ينضم رشدي لابيه العبد والى خاله حسن، وحتى نفسه…!”.

لا يقدّم وليد سيف صورة مثالية للفلسطينيين، بل يعرض أيضاً: الانقسامات، الأخطاء السياسية، الفقر والتناقضات الاجتماعية. وهذا ما يضفي على النص صدقية عالية تجعله يلامس شغاف القلب. .هذا طبعا علاوة على اللغة والأسلوب المستخدم في كتابة الرواية فهي تجمع بين: السرد الروائي الشيق،، والشعرية العالية والحوار الشعبي الفلسطيني، وكل هذا ببساطة وسلاسة و بدون تكلف.. ولهذا يشعر القارئ أن النص قريب من الذاكرة ومن الحكاية الشعبية الفلسطينية التي اعتاد ان يسمعها اصلا، هذا عداك عن ان جزء كبير من هذه الحكاية يحتل مكانته المرموقة في ذاكرة الكل الفلسطيني، فجاءت الرواية لتؤكده وتؤصله وتوثقه خوفا عليه من مصائب الزمن وتحصنه في مواجهة داء الذاكرة الاول النسيان.

في رواية التغريبة الفلسطينية: حكايا المخيم للكاتب وليد سيف لا يكتفي السرد بوصف حياة اللاجئين، بل يفتح النص على مجموعة من الأسئلة الفلسفية والتأملية العميقة حول الهوية والذاكرة والعدالة والتاريخ.
فالرواية في جوهرها ليست فقط حكاية مخيم، بل تفكير طويل في معنى الوجود الفلسطيني بعد النكبة.

خلاصة فلسفة الرواية تكمن في الأسئلة الكبرى التي يطرحها وليد سيف وتتمثل في خمسة محاور رئيسية:
ما معنى الوطن عندما يُفقد المكان؟
كيف يعيش الإنسان في المنفى دون أن يفقد هويته؟
هل المقاومة ضرورة أخلاقية أم خيار سياسي؟
هل الذاكرة شكل من أشكال النضال؟
كيف يمكن للأمل أن يولد من قلب الكارثة؟

لهذا تُعد الرواية من أهم الأعمال التي تفكر في الفلسفة الوجودية للتجربة الفلسطينية.

التغريبة لا تنتهي، لكنها تتحول إلى مسيرة نضال ومقاومة وذاكرة جماعية تأبى النسيان.

وكما قلنا وكتبنا في نهاية قراءتنا وتعقيبنا على الجزء الاول ؛ نعيد ونكرر، هذه الرواية تستحق ان تعتلي رفوف مكتباتنا بجدارة؛ فطوبى وطيب لوليد سيف وامثاله وهم يحفظون سيرة فلسطين، ويجتهدون لتبقى سيرتها حاضرة في الوعي والذاكرة…