التفاهمات السورية–الإسرائيلية برعاية أمريكية: مقاربة قانونية في إدارة نزاع لا في إنهائه …

بقلم د.عبدالرحيم جاموس

تشير التطورات الأخيرة التي أعلنت عنها جهات أمريكية رسمية إلى بدء مسار تفاوضي بين سوريا وإسرائيل، برعاية مباشرة من الولايات المتحدة، تحت عناوين خفض التصعيد وتنظيم قنوات الاتصال الأمني.
ورغم تقديم هذه الخطوة سياسيًا بوصفها مدخلًا محتملًا لمرحلة جديدة من الاستقرار، فإنها، من الناحية القانونية، لا ترقى إلى مستوى اتفاقية سلام، بل تندرج ضمن إطار تفاهمات أمنية تهدف إلى إدارة النزاع لا حله، ما يستدعي قراءة قانونية–سياسية دقيقة في مضامينها وتداعياتها.
منذ عام 1948، تعيش سوريا وإسرائيل حالة نزاع قانوني وعسكري متواصل، تعمّقت بعد احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية عام 1967، في خرق واضح لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وهو مبدأ آمر في القانون الدولي العام.
ورغم توقيع اتفاق فك الاشتباك عام 1974، فإن هذا الاتفاق لم يُنهِ حالة الحرب القانونية، بل اقتصر على تنظيم خطوط التماس ومنع الاشتباك العسكري، دون معالجة أصل النزاع المتمثل بالاحتلال.
تفاهمات أمنية خارج إطار السلام القانوني
من منظور القانون الدولي، لا بد من التمييز الصارم بين التفاهمات الأمنية واتفاقيات السلام.
فالمسار المطروح يتركز على آليات اتصال وتنسيق أمني وضبط حدودي، وهي إجراءات إدارية–عسكرية لا تُنشئ مركزًا قانونيًا جديدًا، ولا ترتب التزامات سيادية متبادلة بين دولتين في حالة نزاع.
اتفاق السلام، وفق الأعراف والمواثيق الدولية، يستوجب إنهاء الاحتلال، والالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وضمان احترام السيادة وعدم التهديد باستخدام القوة.
وبغياب هذه العناصر الجوهرية، فإن أي تفاهمات تبقى مؤقتة وقابلة للتراجع، ولا تنتج سلامًا مستدامًا أو معترفًا به قانونيًا.
الجولان المحتل: مسألة قانونية غير قابلة للتجاوز
تشكل قضية الجولان جوهر النزاع القانوني بين سوريا وإسرائيل.
فقد أكد قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981 أن فرض القوانين الإسرائيلية على الجولان “باطل ولاغٍ ولا يترتب عليه أي أثر قانوني”.
وعليه، فإن أي مسار تفاوضي لا يضع مسألة إنهاء الاحتلال في صلبه، ولا يربط الترتيبات الأمنية بانسحاب إسرائيلي كامل وفق جدول زمني واضح، يُعد مسارًا ناقص الشرعية.
إن القبول بتفاهمات أمنية طويلة الأمد دون معالجة الوضع القانوني للجولان قد يفضي إلى تكريس واقع غير مشروع، ويتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأراضي المحتلة.
الدور الأمريكي: رعاية سياسية لا وساطة قانونية
تلعب الولايات المتحدة دور الراعي لهذا المسار، لكنها لا تقوم بدور الوسيط القانوني المحايد.
فالسياسة الأمريكية، تاريخيًا، وفرت لإسرائيل غطاءً سياسيًا وقانونيًا حال دون تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، بما فيها تلك المتعلقة بالجولان والأراضي الفلسطينية المحتلة.
النهج الأمريكي الحالي يركز على إدارة المخاطر الأمنية وتقليص احتمالات المواجهة، أكثر من تركيزه على فرض التزامات قانونية تنهي الاحتلال.
وهو ما يفسر تغليب المقاربة الأمنية على المقاربة القانونية، وتأجيل القضايا الجوهرية لصالح ترتيبات مرحلية تخدم الاستقرار المؤقت لا العدالة الدولية.
الانعكاسات القانونية والسياسية على القضية الفلسطينية ….
لا يمكن فصل هذا المسار عن السياق الأوسع للصراع الفلسطيني–العربي–الإسرائيلي، إذ تمثل القضية الفلسطينية جوهر هذا الصراع، ويقوم وضعها القانوني على حق العودة و حق تقرير المصير، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالأراضي المحتلة عام 1967.
غير أن الغياب الواضح للقضية الفلسطينية عن هذا المسار يعكس توجهًا نحو تسويات مجزأة تتجاهل وحدة النزاع من منظور القانون الدولي.
وأي تقدم إقليمي لا يترافق مع التزام صريح بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ووقف الاستيطان غير المشروع، واحترام الوضع القانوني للقدس ، يبقى محدود الأثر، بل وقد يسهم في إضعاف المرجعية القانونية للصراع بدل تعزيزها.
خلاصة القول :
إن التفاهمات السورية–الإسرائيلية الجارية تمثل تحولًا في أسلوب إدارة النزاع، لكنها لا تشكل سلامًا بالمعنى القانوني.
فهي لا تنهي الاحتلال، ولا تُفعّل قرارات الشرعية الدولية، ولا تؤسس لعلاقات قائمة على المساواة في السيادة.
السلام الحقيقي، وفق القانون الدولي، لا يقوم على ترتيبات أمنية مفروضة بميزان القوة، بل على إنهاء الاحتلال، واحترام سيادة الدول، وضمان حقوق الشعوب غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في العودة و تقرير مصيره.
ودون ذلك، ستبقى هذه التفاهمات إجراءً مؤقتًا، محدود الأثر، وعرضة للانهيار عند أول اختبار سياسي أو ميداني.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
7/1/2026 م