أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع المعاصر – جامعة الجزائر 2
لم تكن الحركة الصهيونية مشروعاً سياسياً استعمارياً فحسب، بل سعت إلى بناء منظومة معرفية متكاملة تؤسس لرواية ترى نفسها الحقيقة الوحيدة الممكنة، وتتعامل مع التاريخ والجغرافيا والهوية بوصفها حقائق مغلقة لا تقبل المراجعة. ومن هذا المنطلق، يصبح مفهوم التفكيك الصهيوني للقضية الفلسطينية محاولة لإعادة تشكيل الوعي، ليس عبر الحوار مع الرواية الفلسطينية، بل عبر نفيها وإقصائها وإحلال رواية أخرى محلها.
لقد انطلقت الأيديولوجيا الصهيونية من يقينيات مغلقة، ادعت امتلاك الحقيقة التاريخية الكاملة، وسعت إلى إلغاء الحقيقة الفلسطينية، وإنكار المكان الفلسطيني، ومحو الزمان الفلسطيني، ونفي التاريخ الفلسطيني بوصفه تاريخاً حياً ومتواصلاً. وبهذا المعنى، لم يكن الصراع على الأرض وحدها، بل كان صراعاً على الذاكرة والمعنى والهوية والوجود.
إن أخطر ما في هذا المشروع أنه يحاول تفكيك الذات الفلسطينية، ليس بإزالة حضورها المادي فقط، وإنما بإلغاء مرجعيتها الثقافية والحضارية، وتحويلها إلى ذات بلا تاريخ، وبلا جغرافيا، وبلا سردية مستقلة. وهنا يتحول التفكيك إلى أداة أيديولوجية تستهدف نزع الشرعية عن الوجود الفلسطيني وإعادة إنتاج الواقع وفق تصور أحادي مغلق.
ومن هنا، فإن المهمة الفكرية اليوم لا تقتصر على نقد الرواية الصهيونية، بل تمتد إلى نقد اليقينيات التي بنت عليها هذه الرواية مشروعها. فالفكر الفلسفي لا يعترف بالحقائق المطلقة، وإنما ينظر إلى التاريخ باعتباره مجالاً مفتوحاً للتأويل والنقد والمراجعة المستمرة. ولذلك فإن ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية يتناقض مع طبيعة المعرفة الإنسانية التي تتجدد باستمرار.
إن تحرير العقل من هيمنة الأيديولوجيا يمثل المدخل الحقيقي لفهم الصراع. وهذا يعني ضرورة إخضاع جميع المرجعيات الفكرية والدينية والسياسية للنقد العلمي، بما في ذلك القراءات التي توظف النصوص الدينية لتبرير مشاريع سياسية معاصرة. فالشعارات التي رُوج لها، مثل مقولة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، ليست حقيقة تاريخية، بل خطاب سياسي صيغ لخدمة مشروع استيطاني، ولا يمكن التعامل معه بوصفه حقيقة علمية ثابتة.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن الرواية الفلسطينية لا ينبغي أن يقوم على إنتاج يقينيات مغلقة مضادة، بل على بناء معرفة نقدية قادرة على إعادة قراءة التاريخ والجغرافيا والتراث والفكر الوطني قراءة علمية متجددة. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد قضية ذاكرة، بل هي أيضاً قضية إنتاج معرفة جديدة تستند إلى البحث الأكاديمي، وإلى النقد، وإلى الحوار مع مختلف المناهج الفلسفية والاجتماعية المعاصرة.
إن المرحلة الراهنة تفرض ضرورة إنتاج فضاء معرفي جديد يستطيع أن يعيد قراءة العلاقة بين الفكر الصهيوني والفكر الفلسطيني بعيداً عن منطق الإلغاء، وذلك من خلال مراجعة التراث، وإعادة تفسير التاريخ، وتحليل الجغرافيا السياسية، والاستفادة من المناهج المعرفية الحديثة لفهم تعقيدات الصراع، دون التفريط بالحقوق التاريخية أو الإنسانية للشعب الفلسطيني.
وفي هذا السياق، يصبح دور المثقف والفيلسوف والباحث الاجتماعي هو تحرير العقل من سلطة الشعارات الجاهزة، وإعادة الاعتبار للنقد بوصفه أداة لبناء المعرفة، لا لهدمها. فالمعرفة الحقيقية لا تُنتج داخل الأيديولوجيا المغلقة، وإنما تولد من الحوار، ومن مساءلة المسلمات، ومن القدرة على إعادة التفكير في كل ما يبدو ثابتاً.
إن التفكيك، بوصفه منهجاً نقدياً، لا ينبغي أن يكون أداة لنفي الآخر أو محو وجوده، بل وسيلة لكشف البنى الفكرية المغلقة التي تحول دون التفاهم الإنساني. ومن هنا، فإن أخطر ما في الخطاب الصهيوني هو تحوله إلى منظومة مغلقة ترفض إعادة قراءة تراثها قراءة نقدية، وترفض الانفتاح على رواية الآخر، وتسعى إلى إعادة إنتاج ذاتها باعتبارها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
ومن هنا، فإن مستقبل المعرفة في فلسطين والمنطقة لا يمكن أن يقوم على احتكار الحقيقة، وإنما على الاعتراف بتعدد السرديات، والانفتاح على النقد، وإنتاج معنى جديد يحرر الإنسان من هيمنة الأيديولوجيا، ويفتح آفاقاً أوسع للإبداع والفهم والتاريخ المشترك. إن تجاوز أوهام النخب الأيديولوجية، أياً كان مصدرها، هو الشرط الضروري لبناء معرفة أكثر إنسانية وعدالة، معرفة تعترف بالإنسان قبل الأيديولوجيا، وبالحقيقة بوصفها مشروعاً مفتوحاً للبحث، لا عقيدة مغلقة تُفرض بالقوة.
إن القضية الفلسطينية ستبقى قضية وجود وحرية وكرامة، كما ستبقى ميداناً لإنتاج المعرفة النقدية التي تواجه كل محاولة لمحو الذاكرة أو مصادرة التاريخ، وتؤكد أن الشعوب التي تمتلك الوعي بتاريخها قادرة دائماً على إعادة إنتاج مستقبلها.