اسلحة جديدة ظهرت على الجبهات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة من دون اراقة دماء لكنها في نتائجها اكثر خطورة من تلك التي شهدناها واعتدنا عليها خلال مئات السنين الماضية، تمثلت في استخدام التكنولوجيا وخاصة الذكاء الاصطناعي في المعركة، التي تؤثر على توجهات العقل البشري وتغليب الباطل على الحق.
هذا التحول جعل الحرب أسرع وأرخص، وقلص كلفتها النفسية والسياسية، ما سهل خوضها، وتحقيق اهدافها بشكل اسرع وقد يكون بنتائج اجدى.
في الحرب الاميركية الاسرائيلية الاخيرة على ايران برزت قوة شركات التكنولوجيا وخاصة شركة anthropic التي اعتمدت الولايات المتحدة على برامجها في الحرب وشكلت عامل محوري في المعركة سيما في إدارة وتنسيق العمليات الاستخباراتية وعمليات الاستهداف أثناء الهجمات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، على الرغم من القيود الأخلاقية للشركة والتوتر السياسي المزعوم مع الإدارة الأمريكية.
استخدمت اميركا نموذج “كلود” التحليل الاستخباراتي وقد عاون النظام في معالجة كميات هائلة من صور الأقمار الصناعية والاتصالات المعترضة والبيانات الميدانية المعقدة بسرعة فائقة.
كما ساعدت الخوارزميات في اختيار وترتيب أولويات آلاف الأهداف العسكرية داخل إيران ضمن الساعات الأولى من العمليات. واستُخدمت قدرات النموذج في إجراء محاكاة لساحة المعركة ودعم اتخاذ القرار
وتدعي شركة Anthropic انها تفرض قيودا تمنع استخدام تقنياتها في المراقبة الجماعية للمواطنين أو تشغيل أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل من دون إشراف بشري. إلا أن التقارير الصحفية أشارت إلى أن الجيش الأمريكي واصل الاعتماد على النظام نظراً لاندماجه العميق مسبقاً في منظومات البنتاغون مثل مشروع “مافن” (Maven Smart System) لتسريع وتيرة الضربات.
وسارعت الشركة لنشر مزاعم تقول انها شكلت لجنة سياسات خاصة بها بذريعة دعم الديمقراطية لكن في الحقيقة كان وراء القصد السيطرة على الاعلام والانتخابات
في الاثناء، تطرح مئات شركات التكنولوجيا بشكل شبه يومي عشرات البرامج التنافسية محاولة تحقيق الارباح وجذب الجمهور الذي بات يعتمد في سواده الاعظم على ما تنتجه تلك الشركات، الامر الذي سهل للمتابع حياته وجعلها اقرب الى المعرفة والتقييم والتصرف.
ولا تقتصر متابعة تلك البرامج على جيل معين او فئة، بل انها اجتاحت كافة الاطياف والاعمار ، وبات حتى الاطفال اسرى لتلك التكنولوجيا والتي لا يمكن انكار فعاليتها وفائدتها في الكثير من مناحي الحياة.
اليوم لم تعد تقتصر برامج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على تقديم المعلومات الحقيقية والفائدة، للباحثين والمبرمجين والطلاب، بل انها اتخذت في عدة جوانب منحا آخر، بحيث تسيطر على توجهات المواطنين والراي العام بشكل كامل، ومن الممكن ان تقلب الحقائق لصالح جهة معينة، وهو ما بدا من خلال العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، بحيث حاولت وسائل الذكاء الاصطناعي والشركات الكبرى قلب الحقائق وجلد الضحية وتجميل القاتل .
بسهولة، بات بالامكان اليوم انتاج مقاطع الفيديو المزورة والصور المفبركة بطريقة احترافية، لا يمكن تمييزها عن الحقيقية ، من حيث الصوت والحركة والملامح ، من شأن هذا الانتاج ان يقود الجمهور الى الخداع.
اذا حاليا برامج الذكاء الاصطناعي قوية ومتطورة قادرة على انتاج الاف البوستات والتعليقات الذكية على وسائل التواصل الاجتماعي والتي لا يتم تمييزها عن الحقيقية ، وهو الامر الذي يمنح القائمين على تلك المؤسسات والشركات قوة ونفوذ كبيرتين للتاثير على الراي العام في اي مجتمع.
ويتجه اليوم اصحاب هذه التكنولوجيا لاستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل كبير للتاثير المباشر على الراي العام بما يتوافق مع مصالحهم، وتنمية اموالهم، خاصة فيما يتعلق بالمفاصل المهمة مثل الانتخابات، فتقوم الشركات التكنولوجية الاميركية الكبرى، والتي يعتمد عليها غالبية الناس مثل شركة جوجل بدعم الاخبار والافكار والمواقع الالكترونية التي تتوافق مع سياسة الدول الكبرى، فيما يتم حظر مواقع اخرى تتعارض مع سياستها سيما التي تحمل الراي المستقل والمعارض لها ولاجندتها ومصالحها وهو ما يعطي المتلقين راي معين، يسيطر عليهم ، يساوي ما يعرف بـ غسيل الادمغة.
الترويج ياتي بمقابل مبالغ مالية ضخمة ومكاسب سياسية خدمة لشركات صناعة الاسلحة على وجه الخصوص، الى جانب الترويج لنخب الاعلام والسياسة والمال، وهو ما منح التكنولوجيون امكانية التدخل في السياسات المعينة ويقوي موقف بعض الاطراف على حساب اخرى.
ومن هذا المنطلق فان الانتخابات النصفية الاميركية في نوفمبر المقبل، لن تخرج عن اطار التحكم عن بعد ومن المرجح ان تتدخل فيها الشركات المالية والاقتصادية من خلال نفوذها في نظيرتها من شركات الذكاء الاصطناعي وسنكون شاهدين على الصراع بين الاحزاب باسلحة البرامج البرامج الذكية وليس الاشخاص وهو امر مشين للسيطرة على العقل البشري وافكار الناخبين الباحثين عن من يمثلهم ويحل مشاكلهم ويحقق تطلعاتهم .