أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
تُعدّ الثقافة الفلسطينية أحد أهم الحوامل الوجودية للشعب الفلسطيني، فهي ليست مجرد إنتاج رمزي أو تعبير أدبي أو فني، بل هي حارسة التاريخ والإنسان والوطن، وهي التعبير الأعمق عن الذات الفلسطينية في صراعها من أجل البقاء والمعنى. فالثقافة هنا تمثل نتاج الهوية الفلسطينية وانعكاسها التاريخي على ذاتها، وهي التي تحفظ الذاكرة الجماعية وتمنعها من السقوط في النسيان أو الضياع.
لقد كانت الثقافة الفلسطينية، وما زالت، السيرورة الحية نحو الوطن والدولة والحلم. فهي محور وجودنا الوطني وعملنا التأسيسي الذي يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل. وفي أكثر اللحظات قسوةً وتعقيداً، كانت الثقافة هي اختيارنا الأصيل للبقاء والاستمرارية الوجودية في زمنٍ حاول فيه الآخر دفعنا إلى العدم وإلغاء حضورنا من التاريخ والجغرافيا.
من هنا، تكتسب الثقافة الفلسطينية وظيفتها الكبرى بوصفها قوةً معرفيةً تكشف الحقيقة، وتزوّد الفلسطيني بأدوات الثبات والوضوح. فهي تطابق الفكر مع ذاته، وتنفي عنه الاغتراب الناتج عن التغريب أو التغرّب، لتعيد ربطه بجذوره التاريخية والوجودية. إنها ليست ثقافة جامدة، بل هي قوة خلاقة تعيد صياغة المفاهيم وتجددها وتخلقها من جديد، بما يتناسب مع متطلبات الواقع الفلسطيني وتعقيداته.
والثقافة الفلسطينية، بهذا المعنى، تمنع الفلسطيني من أن يمتهن الترحال عبر التاريخ، أو أن يجاور المنافي والشتات بوصفهما قدراً نهائياً. إنها تحرره من أن يكون رحّالاً فوق صهوة النسيان، وتعيده دائماً إلى مركزه الوجودي: الوطن. فالثقافة هنا ليست مجرد خطاب، بل هي فلسفة ديالكتيكية منفتحة، تتفاعل مع الواقع، وتتحاور مع المتغيرات، لكنها تظل مرتبطة بثابتٍ سرمدي هو فلسطين.
إنها جدلٌ مفتوح على وطن ثابت، تحاكي العقلانية، وتجدد الحلم، وتحرس اليقين. فهي تغيّر التغيير نفسه، وتمنحه معنىً واتجاهاً، لتبقى الروح الفلسطينية حيةً وقادرةً على الاستمرار. ومن خلال هذا الدور العميق، توحّد الثقافة الفلسطينية بين العقل المناضل وموضوع معرفته، فتزيل التناقض بين الفكر والواقع، وتحوّل المعرفة إلى فعلٍ وطني واعٍ.
ولعلّ أجمل ما في الثقافة الفلسطينية أنها الخيط الحريري الرفيع الذي يربط أجزاء الكل الوطني الفلسطيني في الوطن والشتات. فهي التي تتجاوز فلسفة “اللاّ تواصل” بين المنافي، لتصنع تواصلاً روحياً ومعرفياً يعيد تشكيل الوطن في الوعي الجمعي الفلسطيني، حتى يصبح وطناً ثابتاً خالداً، حاضراً في الذاكرة كما هو حاضر في التاريخ.
ومن هنا، فإن المثقف الفلسطيني يبحث دائماً عن أثر العلم في البنى الوطنية وفي البنى العقلية، وعن كيفية إعادة هيكلتها منهجياً، انطلاقاً من مسار وطني ثابت يبدأ من العقل وينتهي إلى الوطن. فالعلم والثقافة يشكلان معاً الأرضية التي ينبثق منها موقف فلسفي يربط بين الفكر الفلسفي والروح الفلسطينية، وبين المعرفة والهوية الوطنية.
وفي هذا السياق، يصبح الفكر الفلسطيني مطالباً بأن يبقى وفياً لوطنه، وألا يغترب عن ذاته أو ينفصل عن واقعه، بل أن يظل فكراً مطابقاً لحقائق الوطن الفلسطيني وتاريخه ومعاناته وآماله. ومن خلال هذا التطابق، تتشكل ثقافة وطنية شاملة قادرة على فهم الواقع وتحليل معادلات الوجود بكل مكوناتها وتعقيداتها.
لقد استطاع الشعب الفلسطيني، عبر مسيرته التاريخية، أن يبني فكراً وثقافة مؤسساتية تمتلك أدوات التحليل والفهم، وتستند إلى مقولات معرفية عميقة تساعده على قراءة واقعه ومواجهة تحدياته. ولذلك فإن الثقافة الفلسطينية ليست مجرد رد فعل على الاحتلال، بل هي مشروع وطني شامل يعيد إنتاج الوعي ويصوغ المستقبل.
غير أن هذا الوعي يبقى ناقصاً إن لم يتجسد في وجود وطني يحميه ويأويه ويحرس هويته. فوجودنا الذاتي، مهما بلغ من عمقٍ فكري وثقافي، لا يكتمل إلا بوجود وطني جامع يؤكد حقنا في الأرض والتاريخ والهوية.
ومن هنا، يمكن القول إن الثقافة الفلسطينية قد نجحت في تحقيق معجزة وجودية نادرة: لقد انتصرت على العدم باليقين. فعلى الرغم من محاولات الاقتلاع والإلغاء والتشويه، بقيت الثقافة الفلسطينية شاهداً على حضور شعبٍ رفض أن يُمحى من التاريخ، وأصرّ على أن يعود إليه من جديد بوصفه فاعلاً فيه وصانعاً لمعناه.
وهكذا، تبقى الثقافة الفلسطينية ليست مجرد ذاكرةٍ للماضي، بل طاقةً خلاقة للمستقبل، تحفظ الحلم الوطني، وتحرس اليقين بأن فلسطين – في الوعي كما في التاريخ – وطنٌ لا يمكن أن يغيب.







