ليست الثقافة ترفًا فكريًا عابرًا، ولا نشاطًا هامشيًا يُمارَس على أطراف الحياة، بل هي الوعي العميق الذي تتشكل من خلاله هوية الأمم، وتُبنى به منظومات القيم والمعنى والانتماء. وحين تتراجع الثقافة أمام سطوة السياسة وجشع الاقتصاد، يفقد المجتمع توازنه الروحي والأخلاقي، ويتحوّل الإنسان إلى كائن مستهلك فاقدٍ لصلته بجذوره الحضارية. لذلك، تبدو استعادة السيادة الثقافية اليوم ضرورة وجودية لحماية الهوية الوطنية والكرامة الإنسانية في عالم تتغوّل فيه المصالح على حساب الإنسان.
تحتلّ الثقافة فضاءً رحبًا في العالم، لأنها تتعامل مع قضايا متعددة تشمل الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، إلى جانب الصحة، والنفس، والدين، والبيئة، وغيرها من مجالات الحياة الإنسانية.
والمسألة الجوهرية أن مفهوم الوطن يتأسس ويتمركز حول الثقافة؛ فهي الحاضن الحقيقي للهوية، والقادرة على تجسيدها بصورة واعية وعميقة، لما تمتلكه من قدرة على التعبير عن الشعور بالانتماء. فالتربية الأولى التي يتلقّاها الإنسان منذ ولادته هي تربية ثقافية فطرية، نابعة من بيئته ومحيطه الاجتماعي. وتشمل الثقافة خلاصة التطور التاريخي واللغوي، وتقاليد المجتمع وسلوكياته، وفنونه، وأساطيره، وأديانه.
والثقافة ليست معطًى جامدًا أو ثابتًا، بل كيان حيّ خاضع للتحول والتطور، منفتح على الآخر، وقادر على التفاعل معه، حتى وإن حافظ على أصوله وثوابته. فكثير من عناصر الثقافة تتبدل مع الزمن، بالحذف والإضافة، تأثرًا وتأثيرًا، أو استعارةً وتأصيلاً، ولا سيما تحت تأثير السياسة والاقتصاد والتحولات الاجتماعية محليًا وعالميًا.
الثقافة هي أساس هوية الشعوب؛ فالشعوب المثقفة تمتلك هوية واضحة المعالم، أما الشعوب التي تفقد ثقافتها فإنها تفقد ذاكرتها الجماعية وخصوصيتها الحضارية. ومن يفقد هويته، يفقد ذاته، وانتماءه، وأخلاقه، ووطنه، ومكوّنه الإنساني والتاريخي.
ورغم أن الثقافة قد تخضع لمجموعة من المبادئ والضوابط، إلا أنها في جوهرها تعبير إنساني وإبداعي ووجداني عن القضايا الكبرى التي تشغل الجماعة البشرية، وتدفع نحو سلوكيات عملية تعزز الهوية الوطنية وتحصّنها.
يرى بعضهم أن الثقافة نقيض للاقتصاد والسياسة، أو حتى خصم لهما، بينما يرى آخرون أنها شريك أساسي في التقدم الحضاري، وقادرة على الإسهام في تنمية الاقتصاد وتعزيز العلاقات بين الشعوب. وقد لعبت الثقافة هذا الدور منذ الحضارات القديمة في وادي الرافدين ووادي النيل والهند والصين وغيرها. ويتجلى ذلك حديثًا في مشاريع عابرة للقارات، مثل “طريق الحرير الجديد” ومبادرة “الحزام والطريق”، التي تربط الصين بشرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة، ضمن رؤية لا يمكن للاقتصاد والسياسة أن ينجحا فيها بمعزل عن البعد الثقافي.
إنّ التسلّح بالعلم والمعرفة، بوصفهما وسيلة وغاية لحماية الهوية الوطنية وتعزيزها، واستخدام العقل والمنطق لبناء نهضة ثقافية أفقية وعمودية، قائمة على الحوار والانفتاح، هو السبيل إلى بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا لشعوبنا. فالشعوب، لا الحكومات، تمثّل العمق الاستراتيجي الحقيقي لأي دولة، حتى وإن ارتهنت بعض الأنظمة لقوى خارجية أو خضعت لإملاءاتها.
لقد كانت الثقافة عبر التاريخ هي “السيدة”، بينما كانت السياسة والاقتصاد في خدمتها. غير أن اختلال المعايير أدى إلى انقلاب الأدوار، فأصبحت السياسة ورأس المال في موقع الهيمنة، بينما تراجعت الثقافة إلى الهامش. ومن هنا تبرز مسؤولية المثقفين في إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، وإعادة الاعتبار للثقافة بوصفها سلطة معنوية وأخلاقية ومعرفية.
فالثقافة تمتلك قوة رمزية عميقة، لأنها تمثل “سلطة المعرفة”، بحسب تعبير الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون، الذي قاد الثورة العلمية الحديثة، وانتقد المنطق الأرسطي القائم على القياس، مؤسسًا لمنهج الملاحظة والتجريب. وقد أدرك بيكون، كما أدرك غيره من المفكرين، أن هناك تنافسًا دائمًا بين السلطة الثقافية من جهة، والسلطتين السياسية والاقتصادية من جهة أخرى.
وحين تحظى الثقافة باعتراف المجتمع وثقته، فإن السلطة السياسية، سواء كانت مدنية أم عسكرية، لا تستطيع الاستغناء عنها، كما لا تستطيع الاستغناء عن الاقتصاد والمال، لأن الثقافة تمنح الشرعية المعنوية والأخلاقية لأي مشروع حضاري. وبدونها تغدو السلطة عارية من المعنى والمشروعية.
ولهذا، يسعى الطغاة دائمًا إلى السيطرة على الثقافة وتطويعها لخدمة مشاريعهم، عبر مثقفين مأجورين، أو عبر أدوات القمع والتخويف والترهيب، بهدف تلميع السلطة ورفعها إلى مرتبة القداسة، كما يحدث في الأنظمة الشمولية والاستبدادية.
لقد كان تجاهل البعد الثقافي أحد أبرز أسباب تخلف دول العالم الثالث عن ركب الحضارة الحديثة. ولذلك أوصت منظمة اليونسكو عام 1990 بضرورة الاعتراف بالدور الثقافي في عمليات التنمية والتحديث، لما لذلك من أثر في ترسيخ الهوية الثقافية، وتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، وتعزيز التعاون بين الشعوب.
والثقافة، في جوهرها، فعل حبٍّ إنساني. وقد أسهمت، خصوصًا منذ ستينيات القرن الماضي، في إنتاج وعي جديد تحرر من كثير من الأوهام الإيديولوجية التي أعاقت التقدم، وأسّست لحساسية إنسانية مختلفة، أكثر انفتاحًا على الإنسان والعالم، وأكثر اتصالًا بثورة المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والطفرة الرقمية، والتطور التكنولوجي الهائل.
وفي الختام، يمكن القول إن الثقافة هي روح المجتمع وضميره الحيّ؛ فهي التي تشكّل نمط حياتنا، وتفسّر رؤيتنا للعالم، وتمنح وجودنا معناه الحضاري. ومن هنا، فإن حماية الهوية الثقافية العربية من التمييع والتشويه والضياع، تمثل المدخل الحقيقي لأي تضامن عربي فعّال، ولو على مستوى الشعوب، لأن الشعوب – بخلاف الحكومات – أكثر رسوخًا وأطول عمرًا، وأكثر قدرة على مواجهة محاولات الهيمنة والاستلاب.
إنّ جلد الذات، وادعاء “الشفافية” عبر الطعن بالمسلّمات الوطنية والتاريخية، من بعض المثقفين المرتبطين بأجندات خارجية، لا يُمثّل حرية فكرية حقيقية، بل يشكل طعنًا مباشرًا في الهوية الثقافية العربية. فمثل هذا الخطاب يركّز على السلبيات، ويتجاهل الإيجابيات، ويفكك الرموز الفكرية والتاريخية تحت شعارات نقدية مضلِّلة.
لقد طال التشكيك بثقافتنا، وأُسيء استخدام المصطلحات، وتعرض الانتماء للتشويه، مما أفرز تطرفًا في طرفي المعادلة. ولذلك، فإن بناء حوار ثقافي جاد، عقلاني، ومنفتح على الآخر، دون التفريط بجذورنا الحضارية، بات ضرورة ملحّة لحماية هويتنا الوطنية وكياننا الإنساني في زمن تتكاثر فيه محاولات التفكيك والاستلاب.







