جاري التحميل...

الجزائر… حين يصير الرماد وجعًا في ذاكرة الأرض

بقلم الأستاذة الدكتورة:  وسام علي الخالدي/ العراق

ليست الحرائق التي تلتهم غابات الجزائر نارًا عابرة في جسد الطبيعة، ولا حادثًا يمكن أن تختصره أرقام الخسائر ومساحات الأشجار المحترقة؛ إنها لحظةٌ ينكشف فيها وجه الفاجعة حين تمسّ الإنسان في أكثر أمكنته حميمية: أرضه، وظلاله، وذاكرته، ومصادر حياته.

فالغابة ليست شجرًا متجاورًا فحسب؛ إنها ذاكرةٌ خضراء للبلاد، كتابٌ مفتوحٌ تكتبه الريح، وتحفظه الطيور، وتستظل به الأجيال. وحين تمتد إليها النار، فإنها لا تلتهم الأغصان وحدها، بل تضع يدها على صفحات من تاريخ المكان، وتحيل الأخضر الذي كان يهب الحياة إلى رمادٍ صامت، كأن الطبيعة نفسها قد فقدت صوتها.

ومن العراق، نتابع وجع الجزائر بقلوبٍ تعرف معنى أن تكون الأرض أكثر من جغرافيا، وأن يكون الوطن ذاكرةً لا تُقاس بحدود الخرائط. لذلك فإن مصاب الجزائر ليس شأنًا جزائريًا خالصًا؛ إنه وجعٌ إنساني يتسع لكل قلبٍ ما زال يرى في الحياة قيمةً تستحق الحماية، وفي الطبيعة أمانةً لا يملك الإنسان حق العبث بها.

نقف إلى جانب الشعب الجزائري الشقيق في هذه المحنة، وننحني احترامًا أمام أرواح من قضوا، وأمام صبر العائلات التي واجهت الخوف والفقد، وأمام رجال الحماية المدنية وفرق الإطفاء وكل الأيادي التي دخلت إلى قلب النار كي تمنح الآخرين فرصةً للنجاة. أولئك الذين يواجهون اللهب بأجسادهم، يكتبون في اللحظة الأكثر قسوةً فصلًا ناصعًا من أخلاق الإنسان.

لكن الحريق، مهما كان مصدره، لا ينبغي أن يطفئ فينا سؤال المسؤولية. فالكوارث الطبيعية قد تكون قدرًا، غير أن اتساع آثارها كثيرًا ما يرتبط بمدى استعداد الإنسان لها، وبقدر ما يمنحه للوقاية من عناية، وللبيئة من حماية، وللغابة من تشريع ورقابة ووعي. ومن هنا تصبح الفاجعة، إلى جانب كونها مأساة، جرس إنذارٍ أخلاقيًا وبيئيًا: أن نحمي ما تبقى قبل أن يصبح المتبقي ذكرى.

إن التضامن الحقيقي لا يكون بالبكاء على الرماد وحده، بل بأن نتعلم من النار قبل أن تخمد. أن نعيد التفكير في علاقتنا بالغابة، وأن ندرك أن شجرةً تُحرق اليوم قد تكون ظلًا لطفلٍ غدًا، وأن غابةً تُفقد في ساعة قد تحتاج عقودًا كي تستعيد بعضًا من ملامحها.

يا جزائر،

نكتب إليك من العراق، لا من وراء المسافة، بل من جوار القلب. نعرف أن الكلمات لا تعيد غابةً احترقت، ولا تمحو عن ذاكرة الأم ثقل الفقد، لكنها تستطيع أن تفتح نافذةً صغيرة في جدار الحزن، وأن تقول لأهلنا هناك: إنكم لستم وحدكم في مواجهة هذا الوجع.

سيهدأ اللهب، ويبقى الرماد شاهدًا؛ لكن الحياة، التي تعرف أسرار النهوض، ستشق طريقها من جديد. ستعود شجرةٌ إلى مكانها، وينبت أخضرٌ من بين السواد، وتستعيد الجزائر غاباتها شيئًا فشيئًا؛ فالأرض التي عرفت كيف تصنع الحياة من الصخر، قادرةٌ أيضًا على أن تستردّ خضرتها من الرماد.

 

سلامٌ للجزائر في محنتها،

ورحمةٌ لمن غادروا الحياة،

وسلامةٌ للناجين والمتضررين،

وتحيةٌ لكل يدٍ واجهت النار كي تحمي إنسانًا وشجرةً ووطنًا.

 

من العراق إلى الجزائر: قلوبنا معكم، ودعاؤنا أن تنطفئ النار، وأن يبقى في ذاكرة الأرض متسعٌ دائمٌ للخضرة والحياة.