–صحفي ومحلل سياسي
في الوقت الذي تتسارع فيه الضغوط الأميركية لدفع دمشق وتل أبيب نحو توقيع اتفاق أمني قبل شهر مارس (اذار)المقبل، يعيش الجنوب السوري على إيقاع تصعيد إسرائيلي متواصل يفرغ أي حديث عن التهدئة من مضمونه. فبينما تُدار المباحثات خلف الأبواب المغلقة، تفرض إسرائيل على الأرض واقعًا ميدانيًا جديدًا، يتجاوز الحسابات العسكرية ليطال حياة المدنيين، ويعيد طرح السؤال الجوهري: هل يُراد لهذا الاتفاق أن يكون أداة لضبط الأمن، أم غطاءً سياسيًا لتكريس احتلال جديد؟
على امتداد القرى والبلدات المحاذية للشريط الفاصل في محافظتي درعا والقنيطرة، تتجلى ملامح هذا الواقع بوضوح. فالتوغلات الإسرائيلية لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل تحوّلت إلى ممارسة شبه يومية ترافقها إجراءات تضييق ممنهجة بحق المدنيين. خلال الأيام الماضية، سُجّلت حالات اعتقال متكررة لمدنيين أثناء عملهم في السهول الزراعية ورعي الاغنام، في ريف القنيطرة، حيث جرى احتجاز بعضهم لساعات قبل الإفراج عنهم دون تبرير واضح. بالتوازي، نفّذ طيران زراعي تابع للاحتلال عمليات رش مواد كيميائية فوق أراضٍ زراعية في المنطقة، يُعتقد أنها تستهدف قتل الأعشاب أو تعطيل نموّها، ما أثار مخاوف جدية من أضرار بيئية واقتصادية تهدد المراعي الطبيعية، وتضرب في الصميم مصادر رزق مئات العائلات.
هذا المشهد الميداني لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي الأوسع. فإسرائيل، التي لطالما اعتمدت سياسة فرض الوقائع بالقوة، تتعامل مع الجنوب السوري كساحة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، ليس فقط عسكريًا بل سياسيًا أيضًا. التوغلات والانتشار المتقدم ليسا مجرد إجراءات أمنية مؤقتة، بل جزء من استراتيجية تفاوضية تقوم على مبدأ بسيط: ما يُفرض على الأرض يصبح لاحقًا بندًا غير قابل للنقاش على طاولة المفاوضات. ومن هذا المنظور، لم يعد التركيز على السيطرة على مناطق بعد 8 ديسمبر 2024 مجرد توسيع نفوذ، بل محاولة لتكريس واقع دائم قبل أي اتفاق، وتحويل الجنوب إلى ورقة ضغط مستمرة.
وفي هذا السياق، يبرز البعد الطائفي والسياسي، حيث تستخدم إسرائيل الوجود الدرزي في الجنوب السوري كأداة ضغط إضافية. فالطائفة الدرزية، التي لها امتداد في الجولان المحتل ومحيط المنطقة العازلة، تُوظف من قبل تل أبيب في الخطاب السياسي والإعلامي لتبرير استمرار السيطرة على مناطق استراتيجية، وتشكيل معادلة أمنية تتيح لها التأثير على أي تفاوض مستقبلي مع دمشق. هذا التوظيف للوجود الدرزي ليس بالأمر الجديد، لكنه أصبح اليوم جزءًا من الاستراتيجية الشاملة لإسرائيل في تثبيت مكاسبها الميدانية والسياسية، وهو ما يضاعف تعقيد أي اتفاق أمني محتمل.
في قلب الحدث، يبرز جبل الشيخ كعنوان للمواجهة الأمنية والسياسية معًا. فإعلان إسرائيل الصريح أنها لن تنسحب من الجبل لا يترك مجالًا للشك في أن المسألة خرجت من إطار التكتيك إلى مستوى القرار الاستراتيجي. أهمية الموقع لا تكمن فقط في رمزيته، بل في قيمته الاستخباراتية والعسكرية، وقدرته على توفير تفوق رقابي وإنذار مبكر يمتد إلى عمق سوريا ولبنان. لذلك، لا تفاوض إسرائيل على الانسحاب من جبل الشيخ، بل تفاوض على الثمن السياسي والأمني الذي يمكن أن يُدفع مقابل تثبيت احتلاله.
في المقابل، تتمسك سوريا باتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 باعتبارها المرجعية القانونية الدولية الوحيدة التي تنظّم الوضع في الجولان، وتضمن انسحاب أي وجود عسكري إسرائيلي خارج خطوطها. بالنسبة لدمشق، أي اتفاق أمني لا ينطلق من هذه الاتفاقية، أو يتجاوزها، لا يُعدّ ترتيبًا تقنيًا، بل نسفًا صريحًا لإطار قانوني قائم، وفتحًا لباب خطير يعيد التفاوض على السيادة بدل استعادتها. من هنا، يصبح الخلاف ليس على تفاصيل أمنية، بل على المرجعية نفسها: القانون الدولي مقابل الأمر الواقع المفروض بالقوة.
وسط كل هذا الصخب جاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن عزمه الضغط لتوقيع اتفاق أمني سوري–إسرائيلي قبل مارس(اذار المقبل)، ليضيف طبقة جديدة من التعقيد. فواشنطن لا تتحدث عن سلام شامل ولا عن تسوية سياسية نهائية، بل عن ترتيبات أمنية ، وفق مقاربتها، إلى ضبط الحدود ومنع التصعيد وضمان أمن إسرائيل. غير أن هذا الطرح، في ظل الوقائع الحالية، يبدو أقرب إلى إدارة الصراع لا حلّه، ومحاولة لتحقيق إنجاز سياسي سريع قابل للتسويق، حتى وإن جاء على حساب التوازن أو العدالة.
عمليًا، يبدو التوصل إلى اتفاق أمني متوازن في هذا التوقيت أمرًا بالغ الصعوبة. فإسرائيل تواصل توسيع نفوذها الميداني دون تقديم أي إشارات تهدئة حقيقية، وسوريا ترفض توقيع أي اتفاق يشرعن الاحتلال الجديد أو يتجاوز اتفاقية 1974، فيما يختل ميزان القوى بشكل يجعل أي التزام أمني رسمي مكلفًا سياديًا لدمشق. لذلك، فإن أقصى ما يمكن توقعه هو تفاهمات غير معلنة أو إجراءات تهدئة مؤقتة، تُقدَّم سياسيًا على أنها “تقدم”، من دون أن ترقى إلى اتفاق موقع أو ملزم.
وبين هذه الحسابات الكبرى، يظل سكان الجنوب السوري هم الخاسر الأكبر. فالتضييق اليومي، والاعتقالات المتكررة، وتضرر الأراضي الزراعية، كلها عوامل تُفاقم الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وتحوّل المنطقة إلى مساحة ضغط مفتوحة تُدار على حساب أمن الناس ولقمة عيشهم. في المحصلة، لا يبدو الجنوب السوري متجهًا نحو تهدئة حقيقية بقدر ما يقف على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة الهندسة الأمنية، حيث تفرض إسرائيل الوقائع وتوظف الأوراق الطائفية، والولايات المتحدة تضغط لاتفاق أمني سريع، فيما تتمسك سوريا بالقانون الدولي كآخر خطوط الدفاع عن السيادة، ليبقى السؤال قائمًا: هل يكون الاتفاق الأمني مدخلًا للاستقرار.
الرؤية للبحوث السياسية






