الحداثة بوصفها انكشاف الكينونة: هل يولد الوجود من الإبداع أم يولد الإبداع من الوجود؟

بقلم: عماد خالد رحمة — برلين.

ليس السؤال عن الحداثة سؤالاً زمنياً بقدر ما هو سؤال وجودي؛ إذ لم يعد ممكناً النظر إليها بوصفها انتقالاً شكلياً من القديم إلى الجديد، أو مجرّد تبديل في الألفاظ والأساليب والأنماط الفنية. فالحداثة، في جوهرها العميق، ليست تقويماً للتاريخ بل إعادة تأسيس للإنسان داخل التاريخ. ومن هنا ينبثق السؤال الذي أرّق الباحثين طويلاً: هل يتوازى مفهوم الحداثة مع مفهوم الكينونة؟
إن الكينونة — بوصفها حضور الإنسان في العالم وإدراكه لذاته ومعناه — لا تتحقق إلا عندما يغادر الإنسان حالة التكرار إلى أفق الخلق. فالوجود الذي يكتفي بإعادة إنتاج ما سبق لا يمتلك سوى استمرارية بيولوجية أو اجتماعية، لكنه يفتقر إلى الوعي الذي يمنحه شرعية الوجود الأصيل. وفي هذه اللحظة تحديداً تتقاطع الحداثة مع الكينونة؛ لأن الحداثة ليست حدثاً خارج الإنسان، بل هي لحظة استيقاظه الداخلي.
لقد أدرك الفكر الفلسفي المعاصر أن الإبداع الفني ليس زينةً ثقافية تُضاف إلى المجتمع، بل هو فعل وجودي يعيد صياغة علاقة الإنسان بالعالم. فحين يحقق العمل الفني ذاته، فإنه لا ينجز شكلاً جمالياً فحسب، بل يحقق كينونته الخاصة. القصيدة التي تبتكر لغتها، والرواية التي تعيد ترتيب الزمن، واللوحة التي تغيّر زاوية الرؤية؛ جميعها لا تضيف معرفة جديدة فقط، بل تُنشئ طريقة جديدة للوجود.
بهذا المعنى لا تصبح الحداثة تجديداً للأساليب، بل انحيازاً إلى الاختلاف بوصفه شرطاً للكينونة. فالاختلاف ليس نزوة جمالية، وإنما هو إعلان استقلال الذات عن النسق المغلق الذي يحوّل الإنسان إلى ظلٍّ لتاريخه. وحين يخلق الشاعر اعتباره الشعري المختلف، أو يفكّر الفيلسوف خارج القوالب الموروثة، فإنه لا يعلن تمرّده على الماضي بقدر ما يعلن ولادة حضور جديد داخل الزمن.
إن الحداثة التي تُفهم على أنها تقليدٌ للآخر تفقد معناها الأنطولوجي؛ لأنها تتحول إلى استعارة هوية جاهزة. فالحداثة ليست سلعة قابلة للاستيراد، ولا وصفة تقنية تُنقل من حضارة إلى أخرى، بل هي — كما أشار المفكر مطاع الصفدي — ثورة الكينونة عندما تحلّ في إنسان أو مجتمع أو أمة. إنها لحظة يكتشف فيها الكائن قدرته على إعادة تعريف نفسه.
ولهذا لا تنتمي الحداثة إلى أمة بعينها أو إلى عصر محدد. فقد تظهر في قصيدة صوفية كما تظهر في مختبر علمي، أو في ثورة فكرية كما في إعادة قراءة التراث. إن معيارها الحقيقي ليس الزمن بل القدرة على خلق معنى جديد للحياة. فالحداثة التي لا تغيّر نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى العالم ليست سوى زخرفة لغوية أو تقنية.
ومن هنا تتبدى إشكالية العالم العربي والإسلامي لا بوصفها نقصاً في أدوات الحداثة، بل أزمة في مباشرة الكينونة ذاتها. إذ لا يمكن لمجتمع أن يصنع حداثته وهو يعيش داخل وعيٍ مستعار، أو داخل صراعٍ دائم بين تمجيد الماضي والخوف من المستقبل. فالحداثة الحقيقية تبدأ حين يتحول التراث من سلطةٍ إلى مادةٍ للحوار، وحين يغدو العقل قادراً على مساءلة نفسه قبل مساءلة الآخر.
إن الدعوة إلى التحديث ليست استجابة لضغط خارجي أو سباق حضاري، بل ضرورة ذاتية لاستعادة المعنى. فالأمة التي لا تعيد اكتشاف كينونتها تبقى أسيرة تعريفات الآخرين لها. أما حين تفرض حضورها المختلف — فكراً وفناً ومعرفةً — فإنها تصنع حداثتها الخاصة، لا باعتبارها نسخة مكررة من حداثات أخرى، بل باعتبارها انبثاقاً أصيلاً من تجربتها التاريخية والروحية.
وعند هذه النقطة يصبح الحديث عن حداثة عربية أمراً ممكناً؛ لا لأنها مشروع قومي مغلق، بل لأنها تعبير عن إنسانٍ استطاع أن يصالح بين ذاكرته وأفقه. حداثة لا تقطع مع الجذور ولا تستسلم لها، بل تعيد زرعها في تربة جديدة.
فالحداثة، في نهاية المطاف، ليست اسماً لمرحلة تاريخية، بل اسماً للحظة شجاعة يقرر فيها الإنسان أن يكون نفسه. إنها الكينونة عندما تجرؤ على الظهور، والوجود عندما يتحول من تكرارٍ إلى إبداع. وحيثما يولد الإبداع يولد الوجود من جديد؛ لأن الإنسان لا يكون حقاً إلا حين يخلق المعنى الذي يعيش به.