في فتح لم تُخلق البنادق لكي تُصادر العقول، ولم تُرفع الرايات حتى تتحول الهامات إلى ظلال صامتة. هذه الحركة التي خرجت من بين الحصار والمنافي لم تربي أبناءها على الطاعة العمياء، بل على الوعي، وعلى الجرأة في قول الحقيقة، وعلى مبدأ النقد والنقد الذاتي الذي لم يكن يومًا ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا من شروط البقاء الثوري. فالتنظيم الذي يخاف من صوت أبنائه، يتحول مع الوقت إلى غرفة مغلقة تختنق فيها الحقيقة ويعلو فيها التصفيق فوق المصلحة الوطنية.
ليس كل من انتقد خائنًا، وليس كل من صفق مخلصًا. فهناك فرق بين الالتزام والانحناء، بين الوفاء للحركة والعبودية للأشخاص. فالالتزام أن تدافع عن مشروع الحركة ومبادئها وتاريخها، أما العبودية فهي أن ترى الخطأ فتزينه، وأن ترى الإقصاء فتبرره، وأن ترى الإساءة لأبناء الحركة فتلوذ بالصمت خوفًا أو طمعًا. والفتحاوي الحقيقي لا يكون تابعًا لكرسي ولا أسيرًا لمزاج المسؤول، بل ابنًا لفكرة أكبر من الجميع، فكرة كرستها تضحيات الشهداء والأسرى والمناضلين الذين لم يورثوا أبناء الحركة ثقافة الخوف، بل ثقافة الكرامة.
إن بعض من يمارسون الإقصاء والاستخفاف بالكوادر ينسون أن التنظيم لا يُدار بالتعالي، وأن الاحترام لا يُنتزع بالرتبة والفوقية بل يُكتسب بالأخلاق والانتماء الحقيقي. فالذي يعتقد أن إسكات الأصوات الناقدة يحمي الحركة، إنما يضعفها من حيث لا يدري، لأن التنظيم القوي هو الذي يستمع للنقد ويحتمله ويصحح نفسه قبل أن تتراكم الأخطاء حتى تصبح جراحًا مفتوحة.
الفتحاوي يجب أن يبقى حرًا؛ حرًا في رأيه، حرًا في دفاعه عن النظام الداخلي، حرًا في رفض التجاوزات والانحرافات، لأن الحرية داخل الحركة ليست تمردًا، بل جزءا من روحها الأولى. والنقد المسؤول ليس خنجرًا في ظهر التنظيم، بل جرس إنذار يحميه من الغرق في المجاملة والتكلس. والوفي للحركة حقًا لا يحرس أخطاءها، بل يحرس مستقبلها.







