الحراك الشعبي في قطاع غزة: بين شرعية التعبير، الانقسام السياسي، وإدارة السلم الأهلي في ظل حرب الإبادة

د. صلاح عبد العاطي

ورقة تقدير موقف
أولًا: ملخص تنفيذي
يشهد قطاع غزة حراكًا شعبيًا متصاعدًا في سياق حرب إبادة جماعية مستمرة، وانهيار إنساني غير مسبوق، وانسداد سياسي داخلي وخارجي. لا يمكن قراءة هذا الحراك كحدث منفصل، بل كنتاج مباشر لتفاعل الحرب والحصار والانقسام الفلسطيني، وتراجع فاعلية النظام الدولي في حماية المدنيين أو فرض تسوية عادلة.
يعبّر الحراك عن ثلاثة مستويات رئيسية:
احتجاج إنساني على الكارثة المتفاقمة
تعبير سياسي عن فقدان الأفق والثقة بالفصائل الفلسطينية وخاصة حركة حماس
مؤشر على أزمة بنيوية وانقسام عميق في النظام السياسي الفلسطيني وإدارة المجال الوطني العام.
رفض الاستقطاب الداخلي والتخوين، وتقييد حرية التعبير، بما يهدد السلم الأهلي ويزيد من هشاشة النسيج الاجتماعي.

ثانيًا: السياق الاستراتيجي العام
يأتي الحراك في بيئة مركبة تتسم بـ:
استمرار حرب الإبادة والعدوان الإسرائيلي
حصار خانق وتجويع وتدمير شامل للبنية التحتية
ربط الإعمار والمساعدات بشروط سياسية وأمنية معقدة
استمرار الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة
تعدد المقاربات الفلسطينية دون إطار وطني جامع
عجز دولي عن وقف الحرب أو توفير الحماية الفعالة
انقسام وغياب التوافق علي رؤية ما بعد الحرب.
مساعٍ إسرائيلية لإبقاء قطاع غزة في حالة إنهاك مزمن وغير قابل للحياة
هذا السياق يجعل المجتمع الفلسطيني في حالة ضغط مركب: إنساني، سياسي، وأمني، مع تآكل تدريجي في الثقة العامة.

ثالثًا: الإشكالية المركزية
تتمثل الإشكالية في التوتر بين:
حق أصيل في التعبير الشعبي عن الراي و المعاناة والمطالبة بالتغيير
مقابل
متطلبات الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الانزلاق إلى الفوضى أو الصدام الداخلي
ويزداد هذا التوتر بفعل:
غياب مرجعية وطنية موحدة
تعدد مراكز القرار
الانقسام السياسي المزمن
خطاب التخوين والتحريض لمنع النقذ والمسالة .
هشاشة البيئة الاجتماعية تحت حرب الابادة
تضارب الرؤية وغياب مقاربة وطنية شاملة للمطلوب فعلة لمنع الانفجار وحماية الإنسان الوجود الفلسطيني.
استخدام القمع والشيطنة والتخوين ضد اى رؤية معارضة للحكومة في غزة او اداء المقاومة .

رابعًا: اتجاهات قراءة الحراك الشعبي
1. الاتجاه المؤيد
يرى أن الحراك:
تعبير مشروع عن معاناة غير مسبوقة
وسيلة ضغط لوقف الحرب
أداة لكشف الكارثة أمام العالم
مدخل لإعادة طرح القضية الفلسطينية إنسانيًا وسياسيًا.
ادة ضغظ داخلية لوقف المظاهر السلبية الداخلية من احتكار وضرائب وانتهاكات .
2. الاتجاه المعارض
يرى أن الحراك:
قد يشكل تهديدًا للاستقرار الداخلي او موجه ضد حماس او
قابلًا للاستغلال السياسي أو الأمني
مدخلًا للفوضى أو الانقسام
وفي بعض الحالات، يترافق هذا الاتجاه مع خطاب تخويني وإقصائي.
3. الاتجاه التحوطي
يرى ضرورة:
احترام الحق في التعبير
مع ضبط التداعيات
ومنع الانزلاق إلى الفوضى
والحفاظ على السلم الأهلي.

خامسًا: دوافع المشاركين في الحراك
1. دوافع إنسانية
الجوع
النزوح
انهيار الخدمات
فقدان الأمن والكرامة
2. دوافع سياسية نقدية
الاعتراض على إدارة المشهد السياسي
تقييم سلبي لأداء الفصائل والسلطة القائمة
المطالبة بإصلاحات أو تغيير المقاربات الوطنية والإنسانية
3. دوافع وطنية جامعة
وقف الحرب
حماية الحقوق والحريات
إعادة الإعمار وبناء مسار وطني جديد.
سادسًا: ديناميات الاستقطاب والخطاب العام
تشهد البيئة العامة تصاعدًا في:
خطاب التخوين ونزع الشرعية
فبركة أو تضليل البيانات
توظيف الألم الاجتماعي في الصراع السياسي
نقل الخلاف من المجال السياسي إلى الاجتماعي والعائلي.
تدخل بين مكونات الانقسام السياسي.

وينتج عن ذلك:
تفكك الثقة المجتمعية
تصاعد الاستقطاب الأفقي
إضعاف السلم الأهلي
فتح المجال أمام تدخلات خارجية أو داخلية إضافية.

سابعًا: حرية الرأي والتعبير وسيادة القانون في ظل الحرب
تشكل حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي حقوقًا أساسية لا يجوز تعطيلها أو تجريمها تحت أي ظرف، بما في ذلك الحروب والأزمات.
وتؤكد المرجعيات القانونية الفلسطينية والدولية على:
حرية التعبير
حرية الإعلام
الحق في التجمع السلمي
الحق في المشاركة السياسية
الحق في النقد والمساءلة
وفي هذا السياق، فإن التعامل مع الحراك باعتباره تهديدًا أمنيًا أو مؤامرة يمثل انحرافًا عن مبادئ سيادة القانون.
كما أن تحويل النقاش العام إلى:
صراعات شخصية
تخوين سياسي
تصنيفات اجتماعية
يؤدي إلى:
تقويض المجال العام
تطبيع القمع
إضعاف الثقافة الديمقراطية
هدم أركان السلم الأهلي.
ويزداد الخطر عند استخدام:
المؤسسات الرسمية
الأجهزة الأمنية
الأطر الاجتماعية (العائلات والمخاتير)
كأدوات في إدارة أو مواجهة الحراك، أو في فرض روايات سياسية بعينها.

ثامنًا: تقييم إدارة المشهد الداخلي
تشير المعطيات إلى إشكاليات في إدارة المجال العام، أبرزها:
توظيف البنى العائلية والاجتماعية في إدارة مواقف سياسية
إصدار بيانات باسم مخاتير أو عائلات دون تفويض حقيقي
تضييق على بعض أشكال التعبير المرتبطة بالحراك
استخدام أدوات قمع و ضغط أمنية أو رقمية ضد بعض المشاركين
تصاعد حملات التخوين والتحريض الإلكتروني
وفي المقابل، لا يُغفل وجود مبررات أمنية لدى الجهات القائمة على الامن في قطاع غزة يجب ان تعمل عليها ، إلا أن غياب الشفافية وإظهار نفسها بانها أجهزة لحماية حزب او منظمومة سلطوية كاولوية ، رغم ان دورها في اي حرك يجب ان يركز علي حماية الناس ومنع اي تهديد امني للمشاركين والامن العام كما كانت تفعل في اي حرك تدعو اليه حركة حماس او غيرها من الفصائل وهي قادرة علي ذلك ، عدا عن استخدام أدوات الضبط غير المهني المؤسسي والقانوني الامر الذي يؤدي إلى نتائج عكسية تمثلت في:
تعميق الاحتقان الشعبي والاجتماعي
إضعاف الثقة الشعبية
تغيب سيادة القانون
توسيع الانقسام الداخلي.
كما تُسجَّل محاولات من أطراف سياسية أخرى، خاصة من السلطة او حركة فتح في اطار الخصومة السياسية لتوظيف الحراك في سياقات سياسية تخدم رؤيتها وهذا أيضا جزء من حالة العمل السياسي في قبول ورفض اداء حركة حماس وحالة الانقسام وفي المقابل رفض حركة حماس لسلوك السلطة وحركة فتح بما كرس بيئة سياسية قائمة عاي فقدان الثقة والتفرد في إدارة المقاومة والشان الفلسطيني العام .

تاسعًا: تفكيك منطق التخوين وربط الحراك بالاحتلال
إن ربط كل تعبير احتجاجي أو نقدي بالعمالة أو الارتباط بالاحتلال يمثل:
تبسيطًا خطيرًا
وتعميمًا غير دقيق وكارثي
وتقويضًا للمجال العام
كما أن:
النقد السياسي في ظل الابادة وحالة الانقسام او الاعتراض على إدارة الشأن العام، وادارة النضال الوطني او المطالبة بتغيير السياسات
لا يمكن اعتباره بالضرورة موقفًا معاديًا أو مرتبطًا بالاحتلال.
وفي المقابل، يجب التمييز بين:
المقاومة كحق وطني شامل ومتعدد الأشكال
وبين احتكار تعريفها أو استخدامها لإسكات النقد الداخلي من قبل اي جهة .

عاشرًا: السيناريوهات المستقبلية
1. سيناريو الاحتواء الوطني (الأفضل)
احترام حرية التعبير
ضبط الخطاب السياسي والإعلامي
فتح حوار وطني
توجيه الغضب نحو الاحتلال
النتيجة: تعزيز التماسك المجتمعي وتحويل الحراك إلى ضغط سياسي منظم
2. سيناريو الاستقطاب المتصاعد (الأكثر احتمالًا دون تدخل)
استمرار التخوين
تصاعد الحملات الإعلامية
انقسام اجتماعي أفقي
النتيجة: تآكل الثقة وإضعاف الجبهة الداخلية
3. سيناريو الانزلاق الداخلي (الأخطر)
احتكاكات اجتماعية
انهيار الثقة
تفكك مجتمعي تدريجي
النتيجة: استنزاف داخلي يخدم استمرار الأزمة.

الحادي عشر: التوصيات الاستراتيجية
وقف جميع أشكال التخوين والإقصاء
حماية حرية التعبير السلمي كحق أساسي
منع تسييس المؤسسات والأطر الاجتماعية
ضبط الخطاب الإعلامي والتحريض الرقمي
إطلاق حوار وطني شامل لإدارة التعدد السياسي
إعادة بناء مقاربة وطنية جامعة لإدارة غزة والمرحلة القادمة
توجيه الجهد الوطني نحو وقف الحرب وإنهاء الحصار
حماية السلم الأهلي كأولوية موازية لمواجهة الاحتلال
الخلاصة الاستراتيجية النهائية
إن الحراك الشعبي في غزة هو انعكاس مباشر لأزمة وجودية مركبة، وليس ظاهرة معزولة. وهو في آن واحد:
تعبير عن ألم إنساني وضغط سياسي مشروع
واختبار خطير لقدرة المجتمع على إدارة اختلافاته
ويبقى التحدي الحقيقي في: إدارة هذا الحراك ضمن إطار وطني يحفظ الحق في التعبير ويمنع تفكك النسيج الاجتماعي.

وفي المحصلة: المعركة الأساسية تبقى مع الاحتلال، لكن الحفاظ على وحدة المجتمع هو شرط استمرار الصمود الوطني.