في 28 فبراير 2026، اهتزت شوارع طهران بصوت الانفجارات الضخمة، فيما تصاعدت أعمدة الدخان من القصر الرئاسي ومقار الأمن العليا، معلنة بداية حرب شاملة لم تكن تقليدية، بل لحظة كشف حقيقية لمشروع النظام الإيراني وعقيدته السياسية والدينية في المنطقة. لم تكن الضربات العسكرية مجرد رد فعل على ضغط خارجي، بل جاءت في سياق صراع طويل الأمد، كشف هشاشة النظام أمام تحدياته الداخلية والتهديدات الخارجية من الولايات المتحدة وإسرائيل.
الخلفية التاريخية وعقيدة النظام
منذ الثورة الإيرانية عام 1979، ارتكزت العقيدة السياسية للنظام على دمج السلطة السياسية بالدين، مع تبني محور رئيسي: العداء للعرب السنة ورفض الهيمنة الغربية على إيران. طوال العقود الأربعة الماضية، وظف النظام هذا العداء لتعزيز مكانة الحرس الثوري، وتوسيع نفوذ إيران في الدول العربية المحيطة، من الخليج واليمن إلى سوريا والعراق، مستغلًا الانقسامات الطائفية لصالحه.
النظام الإيراني بنى شرعيته الرمزية داخليًا على معادلة مزدوجة: تثبيت السلطة من خلال الإيديولوجيا الدينية، وإظهار القوة الإقليمية على حساب خصومه الإقليميين، خصوصًا العرب السنة. وقد استخدمت هذه العقيدة داخليًا لتعزيز تماسك النظام، وحتى لتبرير تدخلاته الإقليمية أمام الشعب الإيراني، الذي غالبًا ما كان يرى العداء الخارجي بعيدًا عن مصالحه اليومية.
صراع إيران مع إسرائيل وأميركا
على مدى ثلاثة عقود، حاولت إسرائيل والولايات المتحدة التعامل مع إيران ضمن سياسات الردع والتفاوض. ففي التسعينيات، بدأ نتنياهو، منذ عضويته المبكرة في الكنيست، برسم صورة إيران كتهديد نووي وعسكري دائم لإسرائيل والمنطقة. ومع تغيّر موازين القوة بعد الاتفاق النووي 2015، وتصعيد العقوبات الأميركية في عهد ترامب، أصبح الصراع أكثر وضوحًا، خصوصًا بعد اغتيال قاسم سليماني عام 2020.
إسرائيل اعتمدت على ما يُعرف بـ«المعركة بين الحروب» لضرب قدرات الخصوم تدريجيًا، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مستفيدة من العداء الإيراني للعرب لتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن مع أحداث أكتوبر 2023 والهجمات على إسرائيل، وتطور البرنامج العسكري الإيراني، أصبح الصراع أكثر حدة ووضوحًا، ما أدى إلى انزلاق سريع نحو مواجهة مفتوحة.
الحرب الإيرانية 2026: كشف الاستراتيجية الرمزية
ما ميز الحرب في 2026 هو توجيه النظام لضرباته نحو الدول العربية السنية في الخليج والأردن، حتى في ظل المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا التوجه كشف أن العداء للعرب ليس ثانويًا، بل يمثل ركيزة مركزية لعقيدة النظام ومشروعه الإقليمي. الضربات لم تكن فقط لإضعاف الخصوم العسكريين، بل لتعزيز النفوذ الرمزي والسياسي داخليًا، ولتحقيق شرعية دينية مستمدة من الصراع الطائفي، خصوصًا ضد العرب السنة.
في هذه الحرب، برزت إيران كطرف مضطهد ومعتدي في آن واحد: مضطهد أمام الضربات الأميركية والإسرائيلية، ومعتدٍ على العرب السنة. ومع ذلك، يدرك النظام أن الشارع العربي لن يتحد ضده بسبب توازنات المصالح الإقليمية، خصوصًا في مواجهة إسرائيل وأميركا، ما جعل الضربات على العرب وسيلة لتعزيز شرعيته الرمزية، وليس حربًا مباشرة على منافس سياسي فعلي.
حدود أهداف النظام وانكفاء استراتيجي
مع مرور الوقت، بدأت الأهداف غير الواقعية للنظام تتساقط واحدة تلو الأخرى. بدلًا من التركيز على الهيمنة الإقليمية، أصبح التركيز على الدفاع عن الأرض والحفاظ على تماسك النظام الداخلي، وهي مرحلة يمكن وصفها بـ«صحوة وانكفاء إلى المجال الطبيعي لإيران». هذا الانكفاء يخدم أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل الاستراتيجية، لكنه لن يتحقق بالكامل إلا بسقوط النظام أو تغييره داخليًا.
الحرب أظهرت أن العداء للعرب السنية، رغم كونه أداة داخلية رمزية، يواجه حدود الواقع العسكري والسياسي، وأن إيران أصبحت مضطرة للتعامل مع مصالح أميركا وإسرائيل في المنطقة، مع محاولة استغلال أي ضعف في العرب لتحقيق أهداف رمزية داخلية.
تداعيات الحرب على المنطقة والشارع الإيراني
الحرب الإيرانية 2026 كشفت ضعف النظام أمام خصومه، وأظهرت صراعاته الداخلية، وفضحت أولوياته الحقيقية التي لم تعد الهيمنة، بل البقاء والتماسك الداخلي. العداء للعرب، الذي كان جزءًا من مشروعه التاريخي، ظهر كأداة رمزية أكثر من كونه أداة استراتيجية حقيقية. وفي الوقت نفسه، يظل السؤال الأكبر: هل يمكن للنظام الحفاظ على شرعيته الداخلية دون التغيير الجوهري الذي يفرضه الواقع العسكري والسياسي؟
في النهاية، الحرب ليست مجرد مواجهة عابرة بين دول، بل مرآة تكشف المشروع الإيراني التاريخي، حدود طموحاته، والرهانات الرمزية التي تحكم سياساته الداخلية والإقليمية. النظام الذي دفعه الصراع إلى الانكفاء الدفاعي على أراضيه، سيظل يسعى لتعزيز سلطته الرمزية والعقائدية، لكن المرحلة القادمة ستحدد ما إذا كانت هذه السلطة قادرة على الصمود، أم أن سقوط النظام هو الطريق الوحيد لتحقيق استقرار حقيقي في المنطقة.





