السياسي – تصاعدت الحرب في الشرق الأوسط بشكل غير مسبوق خلال الأسابيع الأخيرة مع توسع الضربات العسكرية التي طالت مدناً كبرى وبنية تحتية مدنية.
وقد غطت سماء العاصمة الإيرانية طهران سحب كثيفة من الدخان الأسود بعد استهداف مستودعات النفط في المدينة، ما أدى إلى انتشار أبخرة سامة في الهواء استنشقها ملايين السكان.
ويرى مراقبون أن الآثار الصحية والبيئية لهذه الهجمات قد تستمر سنوات طويلة، مع احتمال ارتفاع معدلات الأمراض الخطيرة نتيجة التلوث الناتج عن احتراق النفط داخل مدينة مكتظة بالسكان.
وأعادت هذه المشاهد إلى الأذهان حرائق آبار النفط في الخليج خلال حرب عام 1991، حين أضرمت قوات عراقية النار في منشآت النفط الكويتية. غير أن الفارق هذه المرة أن الحرائق وقعت داخل مدينة يسكنها نحو عشرة ملايين إنسان.
توسعت العمليات العسكرية لتشمل منشآت مدنية وأحياء سكنية، في مشهد وصفه مراقبون بأنه حرب مفتوحة على المدن الكبرى.
كما ترافقت هذه العمليات مع ضربات استهدفت منشآت تعليمية، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
وفي الوقت نفسه يواصل الاحتلال الإسرائيلي هجماته العسكرية في جنوب لبنان والعاصمة بيروت، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من السكان.
وتشير تقديرات إلى أن نحو سبعمئة ألف شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم، بينما قضى مئات المدنيين خلال أسبوع واحد فقط.
ورغم حجم الدمار والضحايا، يتم تقديم هذه العمليات في كثير من الخطاب السياسي والإعلامي الغربي باعتبارها عمليات عسكرية اعتيادية، في حين يرى منتقدون أن القصف المستمر للمدن يشكل تصعيداً خطيراً في طبيعة الحروب الدائرة في المنطقة.
تأتي هذه التطورات في ظل تحالف وثيق بين الإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي في إدارة العمليات العسكرية في المنطقة.
وقد انضم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في شن الحرب على إيران، وهي الحرب التي طالما دعا نتنياهو إلى خوضها منذ سنوات طويلة.
ويرى مراقبون أن هذه الحرب تمثل مرحلة جديدة في سياسة الهيمنة الإقليمية التي تسعى إليها دولة الاحتلال بدعم مباشر من الولايات المتحدة.
كما تشير تصريحات عدد من السياسيين الأمريكيين إلى أن الصراع يتجاوز المواجهة العسكرية ليشمل حسابات استراتيجية تتعلق بالسيطرة على مصادر الطاقة العالمية.
وقد صرح السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام بأن سقوط النظام الإيراني سيغير خريطة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن السيطرة على احتياطيات النفط في إيران وفنزويلا تمثل فرصة اقتصادية واستراتيجية كبيرة للولايات المتحدة.
لا تقتصر تداعيات الحرب الحالية على الشرق الأوسط فقط، بل بدأت آثارها تمتد إلى مناطق مختلفة من العالم. ويشير بعض المحللين إلى أن خريطة النزاعات العالمية باتت مترابطة بشكل متزايد.
ويمتد ما وصفه مراقبون بقوس الحروب من السودان مروراً بمضيق باب المندب واليمن ودول الخليج وصولاً إلى إيران ثم فلسطين المحتلة ولبنان، بينما يتواصل الصراع في أوروبا الشرقية بين روسيا وأوكرانيا.
وفي الوقت نفسه تتداخل المصالح الدولية في هذه النزاعات، حيث تتبادل الدول الكبرى الأدوار في تقديم الدعم العسكري أو الاستخباراتي لحلفائها.
ويرى بعض الباحثين أن هذا التصعيد قد يمثل مرحلة مبكرة من صراع عالمي أوسع إذا استمرت المواجهات العسكرية في التوسع.
وتؤكد القيادة الإيرانية استعدادها لخوض حرب استنزاف طويلة، مشيرة إلى أن البلاد تمتلك مخزونات كبيرة من الأسلحة والقدرات العسكرية التي تسمح لها بالاستمرار في القتال لفترة طويلة.
ويقول مسؤولون إيرانيون إن مخازن الصواريخ والطائرات المسيرة لا تزال ممتلئة وقادرة على دعم العمليات العسكرية لسنوات.
ويرى مراقبون أن التجارب السابقة في المنطقة تظهر أن الحروب التي تبدأ تحت شعار تغيير الأنظمة غالباً ما تتحول إلى صراعات طويلة ومدمرة.
وقد شهدت المنطقة أمثلة عديدة على ذلك، من العراق إلى ليبيا، حيث أدت التدخلات العسكرية إلى انهيار مؤسسات الدولة واندلاع صراعات داخلية استمرت سنوات.
تطرح هذه التطورات سؤالاً مركزياً حول مستقبل الصراع في الشرق الأوسط وإمكانية إنهاء دوامة الحروب المتكررة.
ويرى بعض المحللين أن استمرار الحروب في المنطقة يرتبط بسياسات الهيمنة والصراع على النفوذ والموارد.
ويشير هؤلاء إلى أن إنهاء هذه الحروب لن يتحقق إلا بتغيير النهج السياسي الذي يقود إلى التصعيد المستمر، سواء في واشنطن أو لدى الاحتلال الإسرائيلي.
وفي ظل التصعيد الحالي يبقى السؤال المطروح: أي تغيير سياسي سيحدث أولاً، وما الثمن الذي ستدفعه المنطقة قبل أن تتوقف هذه الحروب.








