في الأزمنة التي تختلط فيها المفاهيم وتضطرب فيها المعايير، تصبح الكلمات الكبرى عرضةً للتشويه أكثر من أي وقت مضى. ولعلّ مفهوم الحرية من أكثر المفاهيم التي أصابها الالتباس في عصرنا الراهن؛ إذ تحوّل في كثير من الخطابات من قيمة إنسانية وأخلاقية عميقة إلى شعار فضفاض يُستخدم أحياناً لتبرير الفوضى، وأحياناً أخرى لتكريس العدمية والانفلات من كل مسؤولية معرفية أو أخلاقية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة التفكير في الحرية، لا بوصفها رغبة فردية مطلقة، بل باعتبارها ممارسة واعية ترتبط بالكرامة والمسؤولية والمعنى الإنساني.
تتشابك الأسئلة وتتداخل لتنبثق من بينها إشكالية جوهرية: هل ما يزال سؤال الحرية ملتبساً؟ يبدو هذا السؤال اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لا لأنّ الحرية مفهوم غامض أو مستحدث، بل لأنّ العصر الراهن، بما يحمله من انفجار مفاهيمي واختلاط مرجعي، أفرز وعياً مأزوماً لم يعد قادراً على التمييز بين الحرية والعدمية، بين الإبداع والفوضى، وبين الفردية المشروعة والتفكك القيمي.
لقد نشأ سؤال الحرية في رحم الفلسفة الكلاسيكية بوصفه أحد أنبل تطلعات الإنسان نحو التحرر من الضرورة والطغيان. وقد رأى جون ستيوارت ميل أنّ الحرية تقوم على مبدأ عدم الإضرار بالآخر، فهي ليست امتيازاً فردياً خالصاً، بل ممارسة أخلاقية مسؤولة تتأسس على العلاقة بالمجتمع والإنسان. غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كيف تحوّلت الحرية عند بعضهم إلى مرادف للانفلات الكامل من القيم والمعايير والضوابط المشتركة؟
إننا نعيش اليوم في عصر يمكن تسميته بـ«تفكيك المعنى»، حيث سادت سرديات ما بعد الحداثة التي نزعت عن الإنسان مركزه الرمزي، وعن القيم بعدها الكوني، فصار كل شيء نسبياً وعابراً ومؤقتاً. وقد وصف جان فرانسوا ليوتار المعرفة المعاصرة بأنّها «تفكك للسرديات الكبرى»، الأمر الذي أدّى إلى اختزال الحرية في مجرد تعبير ذاتي منفصل عن المسؤولية الأخلاقية، حتى غدا الفرد وحده معيار الصواب والخطأ، في تكرار حديث للنزعة السوفسطائية التي عبّر عنها بروتاغوراس بقوله: «الإنسان مقياس كل شيء».
غير أنّ هذا الإنسان المعاصر لم يعد ذلك الكائن الباحث عن الحقيقة كما تصوّره كانط أو هايدغر، بل أصبح محاطاً بفقاعات الاستهلاك، والسرديات اللحظية، والانفعالات السريعة، حيث يُستبدل التفكير العميق بردود الأفعال، والوعي النقدي بالغرائز، والحوار بالبروباغندا. ومع كل هذا، يُرفع شعار الحرية بوصفه قيمة مطلقة، في حين أنّه كثيراً ما يخفي وراءه فوضى القيم وغياب المعنى.
إنّ الحاجة اليوم باتت ماسّة إلى تفكيك هذا الاشتباك الحاد بين الحرية والفوضى والعدمية. فالفوضى ليست دائماً خلاّقة كما يُروَّج لها أحياناً، بل قد تتحول إلى قوة تدميرية إذا لم تُضبط بمنظومة معرفية وأخلاقية متماسكة. كما أنّ العدمية، التي بدأت فلسفياً بوصفها نقداً للفراغ الروحي والتكرار القيمي عند نيتشه، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى تبرير عبثي لسلوكيات خالية من الضمير والمسؤولية.
ولعلّ أخطر ما أفرزته هذه الحالة هو صعود ظاهرة «الرويبضة»، أي أولئك الذين يتحدثون في شؤون العامة بلا علم ولا وعي، وهو توصيف قديم استعاد حضوره بقوة في المشهد الثقافي والسياسي الراهن. فقد امتلأت الساحات الفكرية بأشباه النخب، ممن يستخدمون لغة متضخمة ومفاهيم براقة لتغطية خواء معرفي عميق، حتى غدا الضجيج بديلاً عن الفكر، والاستعراض بديلاً عن الحكمة.
إنّ هؤلاء يسهمون، بوعي أو من دونه، في تقويض أهم ما راكمته الإنسانية عبر تاريخها الطويل: منظومة القيم المشتركة التي صاغتها الحضارات من خلال قرون من التجربة والمعاناة والتفاعل الثقافي. فالقيم الكبرى، كالعدالة والحق والخير والكرامة، ليست شعارات عابرة تخضع لأهواء اللحظة، بل هي ركائز وجودية تمنح الإنسان معنى الاستمرار والاتزان.
إنّ ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الشعارات الصاخبة، بل إعادة تأسيس وعي جديد بالحرية؛ وعي يربطها بالمسؤولية لا بالانفلات، وبالعدالة لا بالمزاجية، وبالكرامة لا بالسعي المحموم نحو الشهرة والهيمنة الرمزية. وهذا التأسيس لا يمكن أن يتحقق إلا عبر نقد جذري لحالة الخلط المفاهيمي التي فرضها العصر، واستعادة العمق الفلسفي لمفهوم الحرية كما بلوره كبار المفكرين، من سبينوزا إلى سارتر، ومن الجرجاني إلى الطيب تيزيني.
فالحرية، في جوهرها، ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء، بل أن يدرك ما ينبغي أن يكون عليه. أو كما قال هيغل: «الحرية هي وعي الضرورة»، أي وعي الإنسان بشروط وجوده، ومسؤولياته، وعلاقته بالتاريخ والمجتمع والقيم.
خاتمة
إنّ الحرية اليوم بحاجة ماسّة إلى إنقاذ؛ إنقاذ من الفوضى التي تتخفّى وراء قناع الإبداع، ومن العدمية التي تتزيّن باسم الوعي، ومن السفسطة التي ترتدي عباءة الفردانية المطلقة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإعادة الاعتبار للفكر النقدي، والحوار الجاد، والمرجعية القيمية التي تجعل من الإنسان كائناً حراً بحق، لا عبداً لشهواته أو لخطابات استهلاكية مبتذلة تختبئ خلف أقنعة براقة.
وربما بات لزاماً علينا أن نعيد طرح السؤال، ولكن بصيغة أكثر عمقاً وإلحاحاً: كيف نحرّر الحرية نفسها من التشويه؟







