جاري التحميل...

الحرية بين كرامة الفرد واستبداد الوهم

 

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

ليست الحرية أن تُفتح للإنسان أبواب السجن، ثم يُترك واقفاً أمام أبواب أخرى لا يراها؛ أبوابٌ صنعتها العادة، والخوف، والوصاية، والقطيع، والأفكار الموروثة التي تحوّلت، من فرط التكرار، إلى يقينيات لا يُسمح للعقل بمساءلتها. فالاستبداد لا يبدأ دائماً من بندقيةٍ مصوّبة إلى الصدر، بل قد يبدأ من فكرةٍ تُغلق نافذة السؤال، ومن يقينٍ يمنع صاحبه من رؤية الإنسان الآخر إلا من خلال القالب الذي فُرض عليه.

الحرية، بهذا المعنى، ليست حالة سياسية فحسب، ولا امتيازاً تمنحه السلطة لرعاياها، بل هي الشرط الأول لكرامة الإنسان. أن يكون المرء حراً يعني أن يمتلك حقه في التفكير والاختيار والاختلاف، وأن يتحمل في الوقت نفسه مسؤولية اختياراته. ولذلك ارتبط سؤال الحرية، منذ الفلسفة القديمة حتى الفكر المعاصر، بسؤال الإنسان ذاته: من أنا؟ وما الذي يجعل اختياري اختياراً حراً؟ وأين تنتهي حريتي حين تبدأ حرية الآخر؟

لقد رأى جان بول سارتر أن الإنسان «محكوم عليه بالحرية»، لأن الإنسان، في التصور الوجودي، لا يستطيع أن يتخلص من مسؤولية اختياره بإلقائها كاملةً على القدر أو المجتمع أو السلطة. فالإنسان يصنع نفسه عبر أفعاله، والهرب من الاختيار هو، في ذاته، اختيار. غير أن هذه الحرية لا تكتمل إذا تحولت إلى أنانية؛ إذ إن الاعتراف بحريتي يستلزم اعترافي بحرية الآخرين، وإلا تحولت الحرية إلى شكل آخر من أشكال الهيمنة.

ومن هنا تبرز كرامة الفرد بوصفها الحد الأخلاقي للحرية. فالإنسان ليس مادةً في مشروع جماعي، ولا رقماً في إحصاء، ولا أداةً لتحقيق مجد سلطة أو جماعة أو عقيدة. وقد عبّر إيمانويل كانط عن هذا المعنى في مبدئه الأخلاقي الشهير: ينبغي أن يُعامل الإنسان دائماً بوصفه غايةً في ذاته، لا مجرد وسيلة. وهذه الفكرة، على اختلاف سياقاتها الفلسفية، تضع إصبعها على جوهر المسألة: يبدأ انتهاك الحرية حين يُختزل الإنسان إلى وظيفةٍ في مشروع أكبر منه، ويبدأ الاستبداد حين تصبح قيمة الفرد مرهونةً بمدى خضوعه للجماعة.

لكن أخطر القيود ليست تلك التي يمكن رؤيتها، وإنما تلك التي يتولى الإنسان حراستها بنفسه.

فالسلطة لا تحتاج دائماً إلى أن تضع القيد في يد المواطن؛ يكفيها أحياناً أن تزرع في وعيه فكرةً تجعل القيد ضرورة، والخضوع فضيلة، والاعتراض خيانة، والاختلاف خروجاً على الجماعة. عندها ينتقل الاستبداد من الخارج إلى الداخل، ويتحول السجن من مكانٍ مغلق إلى طريقة في التفكير.

وهنا تكتسب عبارة باروخ سبينوزا عن الحرية أهمية خاصة؛ فالإنسان، في فلسفته، لا يكون حراً بمجرد غياب الإكراه، وإنما بقدر ما يتحرر من الجهل والانفعالات التي تستعبده، ويصبح قادراً على الفهم العقلاني لذاته وللعالم. إن الحرية عنده ليست انفلاتاً من كل قيد، بل انتقالاً من الخضوع للقوى العمياء إلى القدرة على الفهم.

وهذا ما يجعل الوهم السياسي والثقافي والأخلاقي واحداً من أخطر أعداء الحرية. فالوهم حين يتحول إلى عقيدة مغلقة يستطيع أن يعيد تعريف الأشياء: يجعل القمع حمايةً، والطاعةَ فضيلةً، والتعصبَ إخلاصاً، وإقصاءَ المختلف دفاعاً عن الحقيقة. والأسوأ من ذلك أن الإنسان قد يصبح مستعداً للدفاع عن القيد الذي يخنقه، لأنه لم يعد يراه قيداً.

وفي هذا السياق، تبدو العبارة المنسوبة إلى فولتير: «من يستطيع أن يجعلك تصدق السخافات يستطيع أن يجعلك ترتكب الفظائع»، معبّرةً عن آلية خطرة في صناعة الوعي، حتى مع ضرورة التنبيه إلى أن نسبتها الدقيقة إلى فولتير ليست محسومة تاريخياً. فالمشكلة ليست في الخطأ الفكري وحده، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها الخطأ إلى يقين جماعي، واليقين إلى سلطة، والسلطة إلى مبرر للعنف.

ولم يكن الفكر العربي بعيداً عن هذا السؤال. فقد أدرك ابن خلدون، في تحليله للعمران والعصبية والسلطة، أن الظلم لا يضرب الفرد وحده، بل يفسد بنية المجتمع بأكملها. فالاستبداد حين يستقر طويلاً لا يصادر الحقوق فقط، وإنما يعيد تشكيل النفوس وفق منطقه؛ فيتعلم الناس الخوف، ويتعلمون الصمت، وقد يتعلمون أيضاً إعادة إنتاج القهر على من هم أضعف منهم.

أما أبو حيان التوحيدي، فقد جعل سؤال الإنسان والعقل والأخلاق والحرية من القضايا المركزية في مشروعه الفكري والأدبي، مؤكداً قيمة الحوار والعقل في مواجهة الجمود. وفي التراث الفلسفي الإسلامي، نجد عند الفارابي تصوراً للمدينة الفاضلة يقوم على المعرفة والفضيلة، في مقابل المدينة التي تُدار بالأهواء والمصالح المنفصلة عن غاية الإنسان الأخلاقية.

ثم جاء محمد عبده ليواجه الجمود الذي يحول الدين من مجال للتفكير والإصلاح إلى سلطة تمنع السؤال، مؤكداً مركزية العقل والاجتهاد في تجديد الفكر. وفي القرن العشرين، دفع علي عبد الرازق سؤال العلاقة بين الدين والسلطة إلى فضاء أكثر جرأة، حين ناقش في الإسلام وأصول الحكم مسألة الخلافة والسلطة السياسية، فاتحاً باباً واسعاً للنقاش حول مسؤولية الإنسان في بناء نظامه السياسي بعيداً عن تحويل التاريخ إلى عقيدة مغلقة.

وفي الفكر العربي الحديث، يصبح مشروع عبد الرحمن الكواكبي بالغ الدلالة؛ فقد رأى في الاستبداد آفةً تتجاوز السياسة إلى الأخلاق والمعرفة والعقل. فالطاغية لا يستبد بالجسد وحده، وإنما يسعى إلى إخضاع الوعي، لأن الإنسان الذي يفكر بحرية يصعب تحويله إلى تابع دائم.

وفي الغرب، يضيء جون ستيوارت ميل جانباً آخر من القضية حين دافع عن حرية الرأي، محذراً من استبداد المجتمع، لا استبداد الدولة فقط. فقد تكون الأغلبية، في بعض الظروف، أكثر قدرةً على قمع الفرد من السلطة الرسمية، حين تفرض رأيها باعتباره الحقيقة الوحيدة. وهنا يصبح الاختلاف ضرورةً معرفية، لا مجرد حق شخصي؛ لأن المجتمع الذي يمنع الأفكار المخالفة من الظهور يحرم نفسه من إمكانية تصحيح أخطائه.

أما إريك فروم فقد تناول المفارقة النفسية التي تجعل الإنسان، أحياناً، يهرب من الحرية نفسها. فالحرية تضع الفرد أمام مسؤولية الاختيار، والمسؤولية قد تكون ثقيلة، فيبحث الإنسان عن سلطة يتكئ عليها، أو جماعة تذيب فرديته، أو عقيدة تمنحه إجابات جاهزة. وهكذا يمكن للإنسان أن يتنازل طوعاً عن جزء من حريته طلباً للأمان.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد يخاف الإنسان من الحرية أكثر مما يخاف من القيد، إذا لم يتعلم كيف يعيش مسؤولاً عن اختياراته.

ولهذا فإن تحرير الإنسان لا يكون بإسقاط سلطة واحدة وإقامة سلطة أخرى مكانها، ولا باستبدال وهمٍ بوهم، وإنما ببناء عقل قادر على السؤال والمراجعة والاختلاف. فالإنسان الذي يتحرر من الاستبداد السياسي ثم يقع أسيراً للتعصب الفكري لم يقطع المسافة كلها نحو الحرية؛ لأنه نقل السجن من الخارج إلى الداخل.

إن المجتمع الحر ليس مجتمعاً يتشابه أفراده في أفكارهم، بل مجتمع يستطيع المختلفون فيه أن يعيشوا معاً من دون أن يحاول أحدهم إلغاء الآخر. الحرية ليست أن أقول ما أريد فقط، وإنما أن أقبل حق الآخر في أن يقول ما لا أريد سماعه، ما دام لا يحوّل حريته إلى اعتداء على حقوق الآخرين.

ومن هنا، فإن كرامة الفرد ليست نقيضاً للمجتمع، بل هي الأساس الأخلاقي الذي يمنح المجتمع معناه. فالجماعة التي تسحق الفرد باسم الجماعة تفقد إنسانيتها، والفرد الذي ينكر حقوق الآخرين باسم حريته يهدم المعنى الذي يدّعي الدفاع عنه.

إن أخطر استبداد ليس ذلك الذي يقول للإنسان: «لا تفكر»، بل ذلك الذي يقنعه بأنه يفكر، بينما تكون أفكاره قد صيغت له مسبقاً. وأخطر القفص هو الذي ينسى السجين أنه قفص.

لذلك تبدأ الحرية الحقيقية من سؤال بسيط وعميق: هل هذه الفكرة التي أعيش بها اخترتها حقاً، أم ورثتها حتى أصبحت أظن أنها أنا؟

حين يمتلك الإنسان شجاعة هذا السؤال، يبدأ استرداد ذاته. وحين يصبح الاختلاف حقاً لا جريمة، والسؤال فضيلة لا تمرداً، والعقل أداةً للفحص لا تابعاً للوهم، تستعيد الحرية معناها الأول: أن يكون الإنسان إنساناً، لا نسخةً من خوفٍ جماعي، ولا صدىً لصوتٍ أعلى منه.