السياسي -متابعات
تواجه مبادرة “الحزام والطريق” الصينية أحد أكثر اختباراتها حساسية في إقليم بلوشستان الباكستاني، حيث أعادت موجة هجمات منسقة استهدفت مدنيين ومنشآت عامة ومشاريع مرتبطة بالصين تسليط الضوء على التداخل المعقد بين الأمن والتنمية والجيوسياسة. هذه التطورات لا تمس الداخل الباكستاني وحده، بل تمتد تداعياتها إلى مستقبل “الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني”، وإلى صورة الصين كقوة قادرة على تنفيذ مشاريع عملاقة في بيئات مضطربة.
هجمات منسقة ورسائل سياسية
وفي هذا الإطار، قالت الكاتبة سيما أفضل، باحثة مستقلة متخصصة في أمن جنوب آسيا، ومكافحة الإرهاب، وشؤون الشرق الأوسط، وأفغانستان، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، في مقالها بموقع “آسيا تايمز”، إن موجة العنف التي شهدها إقليم بلوشستان في يناير (كانون الثاني) الماضي شكّلت تذكيراً قاسياً بهشاشة البيئة الأمنية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في جنوب آسيا.
وأضافت الكاتبة أن الهجمات، التي أعلنت “جيش تحرير بلوشستان” مسؤوليته عنها، استهدفت مدنيين وقوات أمن ومؤسسات عامة، ما يعكس حملة منظمة تهدف إلى بث الرعب وتقويض سلطة الدولة.
موقف بكين: تضامن وصبر استراتيجي
وتابعت الكاتبة أن الصين، بوصفها الشريك الاستراتيجي الأقرب لإسلام آباد وأكبر مستثمر في الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني، سارعت إلى إدانة الهجمات والتأكيد على رفضها للإرهاب والتعبير عن تضامنها مع الحكومة الباكستانية.
وأوضحت الكاتبة أن رد بكين اتسم بالصبر الاستراتيجي، حيث جمعت بين الدعم الدبلوماسي والتأكيد على تعزيز التعاون الأمني لحماية المواطنين الصينيين ومشاريع البنية التحتية.
بلوشستان.. قلب الرهان الصيني
وقالت الكاتبة إن إقليم بلوشستان لا يمثل بالنسبة للصين مجرد مساحة جغرافية هامشية، بل يشكل حلقة وصل استراتيجية بين غرب الصين وبحر العرب.
وأضافت أن ميناء جوادر، الذي يوصف بأنه جوهرة التاج في الممر الاقتصادي، يمنح بكين مسارات أقصر لنقل الطاقة والتجارة، ما يجعل استقرار الإقليم شرطاً أساسياً لنجاح الاستثمارات التي تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات.
تداعيات تتجاوز حدود باكستان
وتابعت الكاتبة أن الهجمات المتكررة قرب المصالح الصينية تطرح تساؤلات عميقة حول قدرة مشاريع البنية التحتية الكبرى على الصمود في بيئات نزاع، وحول مصداقية دبلوماسية الاستثمار طويلة الأمد في مناطق مضطربة.
وأوضحت الكاتبة أن ما يجري في بلوشستان بات مرتبطاً بمنافسات إقليمية أوسع تشمل جنوب آسيا، وعدم الاستقرار في أفغانستان، والتنافس بين القوى الكبرى على طرق التجارة والطاقة.
الأمن وحده لا يكفي
وقالت الكاتبة إن العمليات الأمنية تبقى ضرورية لحماية المدنيين والمشاريع، لكنها غير كافية لتحقيق سلام دائم.
وأضافت أن معالجة جذور التمرد تتطلب حوكمة رشيدة، وتنمية عادلة، وإشراكاً سياسياً حقيقياً يترجم إلى فرص اقتصادية ملموسة للسكان المحليين.
الاقتصاد الباكستاني تحت الضغط
وتابعت الكاتبة أن تصاعد العنف يأتي في لحظة اقتصادية حساسة لباكستان، التي تسعى إلى استقطاب استثمارات أجنبية وتعزيز قطاع التعدين والطاقة.
وأوضحت أن استمرار عدم الاستقرار يرفع كلفة الأمن ويزيد من المخاطر التشغيلية، ما يثقل كاهل جهود التعافي الاقتصادي.
نحو تعميق الشراكة الأمنية
وقالت الكاتبة إن التجربة الصينية تشير إلى أن بكين نادراً ما تتخلى عن مشاريعها الاستراتيجية بسبب اضطرابات قصيرة الأمد، لكنها في المقابل تضغط باتجاه ضمانات أمنية أقوى وتنسيق أوثق مع الدول المضيفة.
وأضافت الكاتبة أن كل هجوم كبير يصبح دافعاً لمزيد من التقارب الأمني بين الصين وباكستان، لا مقدمة لانسحاب صيني.
بلوشستان.. ميزان نجاح “الحزام والطريق”
تشير التطورات الأخيرة في بلوشستان إلى أن نجاح مبادرة “الحزام والطريق” لا يرتبط بحجم التمويل أو ضخامة المشاريع فقط، بل بقدرة الدول المعنية على ترسيخ الاستقرار السياسي والعدالة التنموية. فالإقليم بات ساحة اختبار عملية لكيفية تفاعل المبادرة الصينية مع الضغوط الأمنية المزمنة، ودليلاً على أن الاستراتيجية الكبرى، مهما بلغت طموحاتها، تبقى رهينة بسلام محلي مستدام.






