بقلم الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع
سيادة الرئيس محمود عباس،
يخيّل إليك أن كلماتي قد تصلك، وربما لا تصلك، ويخيّل إليك أن أفكاري لا تجد طريقها إلى عقلك السياسي، وأن ما أكتبه لا يستحق منك الالتفات، لأنك الرئيس، ولأنك تقف على قمة السلطة، ولأنك ترى نفسك الرقم الصعب الذي لا يستطيع أحد تجاوزه، مهما علت مكانته العلمية أو الفكرية أو الوطنية.
لكنني أقول لك، من موقع المثقف الفلسطيني الذي صقلته التجربة النضالية، ومن موقع الأكاديمي الذي خاض غمار الفلسفة وعلم الاجتماع في الجامعات الجزائرية، إن الحقيقة أقوى مني ومنك، وإن الكلمة الصادقة لا تستمد قيمتها من رضا الحاكم، ولا تستمد شرعيتها من أبواب القصور الرئاسية، بل من قدرتها على الدفاع عن الحق، ومواجهة الزيف، وحراسة الذاكرة الوطنية من النسيان والتشويه.
إن الكلمة هي حارسة الحق، والحقيقة لا تُختزل في إرادة الحاكم، ولا تنتهي بانتهاء ولايته، بل تتجاوز زمن السلطة إلى زمن التاريخ. إنها تبحث عن مكانها في الوعي الإنساني، وتظل شاهدة على ما فعله أصحاب القرار بشعوبهم وأوطانهم.
يا سيادة الرئيس، الحكام يرحلون، والمبدعون يبقون مخلّدين.
ليس الخلود أن يبقى الإنسان جالساً على كرسي السلطة، وليس المجد أن يستمر اسمه في صدارة المشهد السياسي، وإنما الخلود الحقيقي أن يترك أثراً في عقول الناس وضمائرهم، وأن يفتح أمام شعبه أبواب الحرية، وأن يضيف إلى تاريخه الوطني إنجازاً يستحق أن تتناقله الأجيال.
إن التاريخ لا يخلّد الحكام لمجرد أنهم حكموا، بل يسائلهم عما فعلوه في زمن حكمهم. ولا يقيس مكانتهم بعدد السنوات التي أمضوها في السلطة، بل بما أضافوه إلى حياة شعوبهم من حرية وكرامة وعدالة وأمل.
أبو مازن، ماذا أضفت إلى المشروع الوطني الفلسطيني؟
سيادة الرئيس،
بعد سنوات طويلة في قيادة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، يحق للمثقف الوطني أن يطرح سؤالاً جوهرياً: ما الإضافة الفلسفية والمنهجية والوطنية التي قدمتها قيادتك للمشروع الوطني الفلسطيني؟ وما التحول التاريخي الذي تحقق في طريق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة؟ وأين أصبحت منظمة التحرير بوصفها الإطار الوطني الجامع؟ وأين تقف حركة فتح، التي حملت الرصاصة الأولى وأطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، من التعددية والتجديد والمشاركة وصناعة المستقبل؟
إن هذه الأسئلة ليست عداءً لشخصك، ولا محاولة لإنكار ما قدمه أي فلسطيني في مسيرته، وإنما هي أسئلة مشروعة تفرضها المسؤولية الوطنية، ويطرحها كل من يخشى على القضية الفلسطينية من التراجع والتفكك.
إنني أرى أن المشروع الوطني الفلسطيني يواجه أزمة عميقة في القيادة والمنهج وآليات إنتاج الشرعية. فالدولة التي حلم بها الفلسطينيون لم تتحقق، والانقسام الوطني ما زال يثقل كاهل الشعب، ومنظمة التحرير تحتاج إلى استعادة دورها التمثيلي والجامع، وفتح تحتاج إلى تجديد بنيتها القيادية وإعادة الاعتبار إلى الفكرة التي صنعت مكانتها في الوجدان الفلسطيني.
ولا يمكن معالجة هذه الأزمات بمجرد إدارة الواقع القائم أو إعادة إنتاج أدواته، بل تحتاج إلى مراجعة وطنية شجاعة، تعترف بالإخفاقات، وتعيد بناء الثقة بين القيادة والشعب، وتفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية والأجيال الجديدة.
أزمة العقل الوطني وإقصاء الكفاءات
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حركة تحرر وطني هو أن تتحول من فضاء جامع للمبادرات والأفكار والكفاءات إلى بنية مغلقة تدور حول السلطة ومراكز النفوذ.
فحركة فتح لم تكن في بداياتها مجرد تنظيم يتنافس أعضاؤه على المواقع، بل كانت فكرة وطنية جامعة، استطاعت أن تجمع الفلسطينيين حول حقهم في العودة والحرية وتقرير المصير. وكانت قوتها الحقيقية في تعدد روافدها، وفي قدرتها على احتضان المناضل والمثقف والمفكر والإنسان المؤمن بأن فلسطين أكبر من الأفراد والمواقع.
أما حين تضيق المساحة أمام النقد، وتتراجع مكانة الكفاءة، ويُهمَّش أصحاب الخبرة والتجربة، فإن الحركة تفقد تدريجياً قدرتها على التجدد، وتتحول الشرعية التاريخية من رصيد للمستقبل إلى عبء على الحاضر.
إنني، بوصفي فلسطينياً ارتبط وجداني ومساري النضالي بفتح، لا أستطيع أن أتعامل مع ما يجري باعتباره شأناً تنظيمياً داخلياً لا يعنيني. ففتح ليست ملكاً لأحد، ومنظمة التحرير ليست ملكاً لقيادة بعينها، وفلسطين ليست ملكاً لمن يشغل موقعاً في السلطة.
إنها جميعاً ملك للشعب الفلسطيني، الذي دفع من دمائه وأعمار أبنائه وأحلام أجياله ثمن بقائها.
ولذلك، فإن إقصاء الكفاءات الوطنية وتهميش أصحاب الخبرة لا يضر بالأفراد وحدهم، بل يضر بالمؤسسة الوطنية ذاتها، ويحرمها من القدرة على الاستفادة من عقول أبنائها وتجاربهم.
بين شرعية الموقع وشرعية الإنجاز
سيادة الرئيس،
هناك فرق جوهري بين أن يمتلك الإنسان سلطة اتخاذ القرار، وأن يمتلك القدرة على إنتاج مشروع تاريخي جديد.
الأولى قد تمنحها المؤسسات والأنظمة والقوانين، أما الثانية فلا تتحقق إلا بالفكر والعمل والإنجاز والقدرة على الاستجابة لتطلعات الشعب.
فالشرعية السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة من النقد، كما أن الموقع الرسمي لا يمنح صاحبه حق احتكار الوطنية أو تحديد من يستحق المشاركة في صناعة المستقبل.
إن العقل الوطني الفلسطيني يحتاج إلى قيادة تؤمن بأن الاختلاف ليس خيانة، وأن النقد ليس مؤامرة، وأن التجديد ليس تهديداً للمؤسسة، بل شرط من شروط استمرارها.
ويحتاج إلى قيادة تستطيع أن تتجاوز حسابات البقاء في السلطة إلى حسابات البقاء في التاريخ؛ لأن السلطة مهما امتدت تبقى زمناً محدوداً، بينما أثر القرار الوطني قد يمتد لعقود، بل لأجيال كاملة.
إن السؤال الذي سيطرحه التاريخ ليس فقط: من حكم الفلسطينيين؟ بل أيضاً: ماذا فعل هذا الحاكم من أجل حريتهم؟ وهل اقترب بهم من الدولة والاستقلال والوحدة، أم تركهم أمام مزيد من الانقسام والانتظار؟
الكلمة التي لا تنحني أمام السلطة
قد لا تصلك رسالتي، وقد لا تجد أفكاري طريقها إلى دائرة القرار، وقد ترى أن ما أكتبه لا يغيّر شيئاً في واقع سياسي اعتاد أن يسمع أصواتاً كثيرة من دون أن يستجيب لها.
لكنني أكتب لأن المثقف لا يقيس قيمة كلمته بسرعة استجابة الحاكم، بل بمدى صدقها وقدرتها على البقاء في الذاكرة الوطنية.
لقد تعلمت من الفلسفة أن الحقيقة لا تصبح حقيقة لأن صاحب السلطة أعلنها، وتعلمت من علم الاجتماع أن المؤسسات التي تعجز عن مراجعة نفسها تفقد قدرتها على الاستمرار والتجدد، وتعلمت من التجربة الفلسطينية أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها لا تتخلى عن حقها في أن يكون لها صوت ومستقبل وقرار مستقل.
إن الكلمة ليست بديلاً عن الفعل السياسي، لكنها شرط من شروط تصحيحه؛ وليست وحدها قادرة على تغيير الواقع، لكنها تستطيع أن تكشف تناقضاته، وأن تمنع تحويل الصمت إلى إجماع، والخوف إلى طاعة، والموقع إلى حقيقة مطلقة.
لهذا سأظل أكتب، لا طلباً لموقع، ولا بحثاً عن امتياز، ولا انتظاراً لمكافأة، بل وفاءً لفلسطين، وللفكرة الوطنية التي آمنت بها، ولحق الأجيال القادمة في أن تجد وطناً يليق بتضحيات من سبقوها.
خاتمة: فلسطين أكبر من الرئاسة
سيادة الرئيس محمود عباس،
إنني أخاطبك اليوم لا لأنك تملك السلطة فحسب، بل لأنك تتحمل مسؤولية تاريخية في مرحلة بالغة الخطورة من حياة الشعب الفلسطيني.
إن الفرصة ما زالت قائمة لأن تترك إرثاً وطنياً مختلفاً: إرثاً يقوم على مراجعة المسار، واستعادة الوحدة، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، وتجديد حركة فتح، وفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الوطنية، واحترام حق الشعب في اختيار قيادته عبر آليات ديمقراطية حقيقية.
ذلك هو الطريق الذي يمكن أن يحوّل نهاية المسيرة السياسية إلى بداية أمل وطني جديد.
أما الاستمرار في إدارة الأزمة من دون معالجة جذورها، فإنه يهدد بتوسيع المسافة بين القيادة والشعب، ويمنح التاريخ أسباباً إضافية لمساءلة التجربة ونتائجها.
إن الحكام يرحلون، وتتبدل الوجوه على عروش السلطة، لكن المبدعين والمفكرين وأصحاب المواقف الصادقة يبقون بما تركوه من أفكار ومواقف وآثار. ولا يعني ذلك أن كل مبدع معصوم من الخطأ، أو أن كل حاكم محكوم بالنسيان؛ بل إن قيمة الإنسان، حاكماً كان أم مثقفاً، تتحدد بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
فيا سيادة الرئيس، لا تجعل إرثك السياسي رهين البقاء في السلطة، بل اجعله فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المشروع الوطني الفلسطيني. ففلسطين أكبر من الرئاسة، وفتح أكبر من الأشخاص، ومنظمة التحرير أكبر من أي قيادة، والشعب الفلسطيني أكبر من أن يُختزل مستقبله في إرادة فرد واحد.
إن الحقيقة هي الباقية، والكلمة الصادقة شاهدة عليها، والتاريخ وحده سيحفظ لكل تجربة وزنها، ولكل قائد مسؤوليته، ولكل إنسان أثره.
الحكام يرحلون، والمبدعون يبقون مخلّدين؛ لأن السلطة تصنع حضوراً مؤقتاً، أما الفكر الصادق والعمل الوطني فيصنعان أثراً قد يتجاوز صاحبهما إلى الأبد.
الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع