لم يعد التأثير على الرأي العام الأميركي بشأن فلسطين وإسرائيل مقتصرًا على جماعات الضغط التقليدية أو التبرعات الانتخابية، بل تحول إلى مشروع متكامل تشارك فيه الحكومة الإسرائيلية مباشرة بموازنات غير مسبوقة، بالتوازي مع تصاعد إنفاق شبكات الضغط السياسية داخل الولايات المتحدة.
وتكشف البيانات الحكومية أن الإنفاق المرتبط باللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة تجاوز 1.038 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين عامي 1987 و2025، في وقت رفعت فيه الحكومة الإسرائيلية مخصصاتها الرسمية لحملات «الدبلوماسية العامة» و«الهسبارا» إلى نحو 730 مليون دولار لعام 2026 وحده.
وفقًا للبيانات المستندة إلى سجلات وزارة العدل الأميركية ولجنة الانتخابات الفيدرالية، بلغ إجمالي الإنفاق التراكمي المرتبط باللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة نحو 1.038 مليار دولار، موزعة على النحو التالي:
510.7 ملايين دولار عبر جهات مسجلة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA).
527.4 ملايين دولار عبر كيانات أميركية غير خاضعة للتسجيل بموجب FARA، مثل لجان العمل السياسي والـSuper PACs والمنظمات غير الربحية.
لكن التحول الأبرز لم يكن في حجم الإنفاق فقط، بل في طبيعته.
فحتى عام 2016، كان متوسط الإنفاق لكل دورة انتخابية يتراوح بين 25 و30 مليون دولار. أما بعد ذلك، فقد شهدت الأرقام قفزات غير مسبوقة:
الدورة الانتخابية إجمالي الإنفاق
2015-2016 30.8 مليون دولار
2017-2018 91.7 مليون دولار
2019-2020 175 مليون دولار
2021-2022
95 مليون دولار
2023-2024 267.4 مليون دولار
وبذلك ارتفع الإنفاق في دورة 2023-2024 بنحو 8.7 مرات مقارنة بدورة 2015-2016.
يكشف تتبع البيانات أن الزيادة الأكبر جاءت من الأموال غير المسجلة بموجب قانون FARA. فقد ارتفع الإنفاق في هذه الفئة من 10.9 ملايين دولار خلال دورة 2017-2018 إلى 239.9 مليون دولار في دورة 2023-2024، بزيادة تقارب 2100% خلال ست سنوات فقط.
وتعكس هذه القفزة انتقال مركز الثقل من شركات الضغط التقليدية إلى شبكات تمويل سياسية أميركية محلية أكثر تعقيدًا وأقل خضوعًا لقواعد الإفصاح، تعتمد على لجان العمل السياسي المستقلة والمانحين الكبار والمنظمات غير الربحية.
ويربط مراقبون هذا التحول بقرار المحكمة العليا الأميركية في قضية Citizens United عام 2010، الذي فتح الباب أمام الإنفاق السياسي غير المحدود عبر الـSuper PACs، إلى جانب تصاعد الخلافات داخل الحزب الديمقراطي بشأن الحرب على غزة، وزيادة الإنفاق لاستهداف المرشحين التقدميين المنتقدين لإسرائيل.
ويمكن التأكيد هنا الحكومة الإسرائيلية تدخل المعركة مباشرة
لكن النفوذ المالي لا يقتصر على جماعات الضغط الأميركية.
ففي موازنة عام 2026، أقرت الحكومة الإسرائيلية تخصيص نحو 2.35 مليار شيكل، أي ما يعادل قرابة 730 مليون دولار، لحملات «الدبلوماسية العامة» أو ما يُعرف إسرائيليًا بـ«الهسبارا».
وتهدف هذه المخصصات إلى تحسين صورة إسرائيل عالميًا ومواجهة الانتقادات المتزايدة المرتبطة بالحرب على غزة، من خلال الحملات الرقمية متعددة اللغات، والتعاون مع المؤثرين، وإنتاج المحتوى الإعلامي، وتوسيع أنشطة الوزارات والهيئات الحكومية المعنية بالتأثير على الرأي العام الدولي.
ويمثل هذا الرقم زيادة بنحو خمسة أضعاف مقارنة بالمخصصات الاستثنائية التي أقرتها الحكومة في عام 2025، والتي بلغت نحو 150 مليون دولار، كما يفوق بعشرات المرات مستويات الإنفاق التي كانت سائدة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023.
واللافت أن موازنة «الهسبارا» الإسرائيلية لعام واحد فقط تعادل نحو 70% من إجمالي ما أنفقته جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة على مدى 38 عامًا كاملة.
وبذلك، لم تعد جهود التأثير على السردية المتعلقة بفلسطين وإسرائيل تعتمد على شبكات الضغط التقليدية وحدها، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية حكومية إسرائيلية متكاملة تجمع بين الإنفاق الرسمي، وحملات العلاقات العامة، وشبكات التمويل السياسي داخل الولايات المتحدة.
ماذا نتوقع في 2025-2026؟
تشير البيانات الأولية إلى إنفاق معلن يبلغ نحو 14.9 مليون دولار فقط خلال دورة 2025-2026 حتى الآن، إلا أن هذا الرقم لا يعكس الصورة الكاملة.
فمعظم الإنفاق الانتخابي يحدث خلال الأشهر الأخيرة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي، كما أن العديد من تقارير الإفصاح الخاصة بالـSuper PACs لم تصدر بعد.
وإذا استمرت الوتيرة الحالية، فمن المتوقع أن يتراوح إجمالي الإنفاق النهائي خلال دورة 2025-2026 بين 600 الى 700 مليون دولار، مع احتمال تجاوز الرقم القياسي المسجل في دورة 2023-2024.
وتشير هذه الاتجاهات إلى أن معركة التأثير على الرأي العام الأميركي بشأن فلسطين لم تعد مجرد صراع سياسي أو إعلامي، بل أصبحت ساحة إنفاق مفتوحة تُضخ فيها مئات الملايين من الدولارات سنويًا، سواء عبر جماعات الضغط الأميركية أو عبر الحكومة الإسرائيلية نفسها.
مصادر:
[وزارة العدل الأميركية – تقارير FARA](https://www.justice.gov/nsd-fara/fara-reports-congress?utm_source=chatgpt.com)
[لجنة الانتخابات الفيدرالية الأميركية (FEC)](https://www.fec.gov/data/?utm_source=chatgpt.com)
[Times of Israel – Israel just quintupled its PR budget to $730 million](https://www.timesofisrael.com/israel-just-quintupled-its-pr-budget-to-730-million-experts-say-it-wont-work/?utm_source=chatgpt.com)






