قال خبير قمرة والتر ساليس (المحطة المركزية، يوميات دراجة نارية)، المخرج البرازيلي الشهير الذي صوّرت أفلامه الهوية المتطورة لأمريكا اللاتينية، أنّ السّينما هي “أداة للحفاظ على الهوية في أوقات محددة من وجودنا ووسيلة مهمة لمواجهة النسيان”.
وفي كلمته أمام حضور غفير في الندوة الأولى في النسخة الحادية عشرة من ملتقى قمرة السينمائي، الحاضنة السنوية للمواهب التي تنظمها مؤسسة الدوحة للأفلام، شارك ساليس أفكاره الشخصية حول رحلته في السينما بدءًا من شغفه بالأفلام الوثائقية وصولاً إلى أفلامه الحائزة على جوائز بما في ذلك فيلم “ما زلت هنا” الذي فاز بجائزة “أفضل فيلم دولي” في حفل توزيع جوائز الأوسكار 2025.
شدّد ساليس على الارتباط العميق بين السينما والثقافة، والفن والهوية، مسلطًا الضوء على شغفه بالتصوير الفوتوغرافي الذي أدى إلى عمله في إنتاج أفلام وثائقية وروائية. وإن كانت هناك حبكة واحدة تتكرر في جميع أعماله، فهي روح الإنسانية. لقد شكل ذلك جزءًا من رحلته السينمائية، وهو درس تعلمه من أساتذة التصوير الفوتوغرافي، “أولئك الذين كانوا جزءًا من المجتمع، يفهمونه ويشعرون بانتمائهم إليه، قبل أن يفكروا حتى في إخراج الكاميرا.”
وقال ساليس أنّه يسعى دائمًا إلى غرس تلك الروح في أفلامه، وهو ما أدّى إلى الارتجال الحيوي في أفلامه والعمل مع ممثلين غير محترفين الذين فاقوا كل التوقعات.
باعتباره واحداً من أوائل جيل المخرجين في البرازيل التي كانت تخرج ببطء من عباءة الديكتاتورية وتستعيد ديمقراطيتها، قدّم ساليس في فيلمه الروائي الأول “أرض أجنبية” (1995) دراسة بارعة للتقلّبات السياسية في البلاد وتجربة الاغتراب والضياع التي عاشها أبناء جيله.
وعن نجاح فيلمه “المحطة المركزية” الذي فاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي عام 1998، قال ساليس أنه استفاد من الدعم الذي تلقاه في معهد صندانس، وأضاف: “إنها روح العمل الجماعي التي أراها في قمرة. كان لدي مرشدان فتحا لي العديد من الاحتمالات، ولم يكن الفيلم ليصل إلى إمكاناته لولا هذا العمل الجماعي”.
وسلط ساليس الضوء على أهمية المؤسسات الثقافية مثل مؤسسة الدوحة للأفلام في رعاية الأصوات الناشئة، وقال: “إنّ ما تفعله مؤسسة الدوحة للأفلام مهم للغاية، فهي تتيح لصانعي الأفلام الناشئين بالتحدث عن الموضوعات المطروحة وإعطاء اسم لما لم يتم تسميته بعد”.
بعيداً عن الإلهام الفطري، أكّد ساليس على أهمية الأصالة في صناعة الأفلام، قائلاً: “من الجيد أن يكون لديك سيناريو مكتوب ومتبلور ومتماسك، فهو حافز جيد للارتجال. كما هو الحال مع موسيقى الجاز، عندما يكون لديك هيكلية، فمن السهل أن تتشعب منها لأنه يمكنك العودة إليها.”
عن عمله في فيلم “يوميات دراجة نارية”، أشار ساليس إلى أنّه عمل مع ممثلين غير محترفين، وقيامه بالرحلة الفعلية ساعده على فهم ارتباطه بالهوية الثقافية الأوسع لأمريكا الجنوبية. ولفت إلى أنّه يحاول تجنب الكثير من اللقطات، وإذا كانت هناك لقطات إضافية، فإنه يحاول جعلها مختلفة عن بعضها. وأضاف: “طريقتي المفضلة هي توحيد الممثلين، والكتابة لهم، وفي حال ظهور أمر ما، أقوم بتصويره كفيلم وثائقي.”
يحبّ ساليس أن يجد في السينما شيئًا غير مخطط له. قال في هذا الصدد: “أنا أبحث عما يجب رؤيته وما يجب الشعور به، وهذا أمر مهم. السينما هي البُعد الغامض الذي يكمل الواقع المرئي، وما لا نظهره هو شيء مهم بنفس القدر. تقدم السينما معلومات أكثر بكثير مما نعرضه في الواقع. كل فيلم له بنية درامية يجب عليك تلبيتها، ثم هناك البنية الحسّية”.
كانت رسالة ساليس لصانعي الأفلام الشباب هي تجاوز ما هو واضح: “عندما ترى كل شيء، فهذا هو التلفزيون، وعندما تُدعى لإكمال صورة ما، فربّما تكون في السينما. أمّا عندما يُترك شيء للبحث عنه، وتتم دعوتك لإكمال الحوار، فحينها تكون في عالم السينما”.
ناقش ساليس أيضاً فيلمه الأخير “ما زلت هنا” الذي يعتمد على ذكرياته الشخصية عن البرازيل خلال فترة الدكتاتورية العسكرية. “هناك طبقات عديدة من الذاكرة في الفيلم. في كل لقطة فيه هناك مساحة كبيرة فارغة، وموضوع الفيلم وهو مأساة شخصية تحل بعائلة كانت حياتها مثالاً على الصمود والمقاومة ضد الدكتاتورية”.
وقال ساليس، وهو منتج للعديد من الأفلام الروائية لمواهب شابة مبتدئة، أنّ السينما مرتبطة بالتعابير الفنية الأولى وهي رسوم الكهوف، موضحاً: “في جميع أنحاء العالم، كانت هناك رغبة في إعادة إنتاج الحياة، لالتقاط إحساس مجموعات بشرية محددة تعيش في مناطق جغرافية محددة. ونحن نحمل شيئًا من هذا الشغف البدائي في لوحات الكهوف تلك، والتي تجد مساحة لها في السينما”.
ترك ساليس للجمهور رسالة قوية حول مسؤولية السينما، خاصة اليوم وسط الظلم ومحاولات محو الذاكرة الجماعية. قال: “السّينما هي وسيلة لبناء الذاكرة بدلاً من محوها. تراكم الذاكرة هو الهوية المتحركة، سواء قمت بتصويرها باستخدام هاتفك الجوال أو صنعت فيلمًا روائيًا”، واصفًا هذه العملية والفن بـ “أداة مقاومة استثنائية”.
ندوة قمرة السينمائية مع والتر ساليس جاءت بإدارة ريتشارد بينه، تضمنت مقاطع من أعمال ساليس، بما في ذلك “أرض أجنبية، المحطة المركزية، يوميات دراجة نارية، مازلت هنا”، وقدّمت نظرة شاملة على تطور مسيرته كصانع أفلام والتزامه بالروح الإنسانية التي تتميز بها كل أعماله.