السياسي – أكد المسئولون الإيرانيون على مستويات عديدة رفض طهران لوقف إطلاق نار غير مشروط، إلى جانب تصعيد إيراني بهجمات صاروخية استخدم خلالها صواريخ خرمشهر وخيبر موجهة لأهداف في قلب تل أبيب وقواعد أمريكية في الشرق الأوسط.
وأعلن الجيش الإيراني أن قواته استهدفت بطائرات مسيرة مصافي النفط والغاز ومخازن الوقود التابعة لإسرائيل في حيفا “ردا على الاعتداءات الإسرائيلية على مخازن النفط في إيران”، فيما أكد الحرس الثوري أنه أطلق صواريخ برؤوس حربية تزن طنا.
وتتوافق سياسة التصعيد الإيراني مع منهج فكري وعقائدي متجذر منذ صعود حكم الثورة الإيرانية، وهو ما قدم له الكاتب فهمي هويدي قراءة لافتة من واقع معايشته فترة داخل المجتمع الإيراني في أعقاب الثورة مباشرة، وذلك في كتابه “إيران من الداخل” الصادر عن دار الشروق.
يقول هويدي واصفا الأجواء العامة في طهران آنذاك إن القادم إلى المدينة تتعقبه قضية الحرب أينما ذهب؛ في الشارع والمكتب والمطعم وحتى في غرفة النوم.
الحرب، كما يصفها، تلاحق الإنسان كظل، وتلح على عقله ووجدانه كهم أو كابوس، وتفرض نفسها كأنها قدر مكتوب لا مهرب منه ولا فكاك.
فما إن تنزل من المطار حتى تستقبلك لافتة ضخمة تحمل النداء المنسوب للإمام الحسين في واقعة كربلاء: “هل من ناصر ينصرني؟”.
تمضي في الطريق فتجد صور الشهداء مصطفة على جانبي الشوارع كأنها حرس شرف يلتصق بالجدران للتحية والتذكير.
وتتوقف أمام صورة مرسومة على نصف بناية لشاب في مقتبل العمر، كُتبت تحتها العبارة القرآنية: ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، وبعدها بقليل تواجهك لافتة بعرض الشارع تهتف “لبيك يا حسين”.
ويكمل هويدي: “ويمضي بك التاكسي إلى فندق يحمل اسم “لاله”، لتكتشف أن الكلمة تشير إلى زهرة حمراء يُرمز بها للشهيد، وأن الفندق كان يحمل قبل الثورة اسم “إنتركونتننتال”.
وفي بهو الفندق تطالعك صورة كبيرة لرجل يشع ضياء يغمر عشرات من البشر، وتقرأ تحتها عبارة “الشهيد المظلوم بهشتي”.
تصعد إلى الغرفة فتسمع من المذياع بيانا عسكريا جديدا صادرا عن القيادة، وتفتح التلفزيون فإذا بك وسط مشاهد الجبهة بين الدبابات وخنادق الجنود وقاذفات القنابل وصيحات “الله أكبر”.
وحين تسكت الأصوات وتتجه إلى النافذة بحثا عن فسحة هدوء، تقع عيناك على لافتة تشير إلى “بهشت زهرا” أي “جنة الزهراء”، وهو الاسم الذي يُطلق على مقابر الشهداء في طهران.
حتى أسماء الميادين والشوارع تغيرت، إذ يحمل أكبر ميدان اسم “الشهيد”، بينما تنتشر أسماء الشهداء على الأزقة والطرقات، حتى تكاد خريطة إيران كلها تبدو وكأنها دليل للشهداء.
ويرى هويدي أن ما يسميه الإيرانيون “الخيار الكربلائي” يقوم على فكرة الاستمرار في القتال حتى النهاية، حتى آخر رجل وطفل؛ فسواء تحقق النصر أو امتدت الحرب خمس سنوات أو عشرا أخرى، فإن السير على درب الحسين ـ بحسب هذا التصور ـ يُعد في حد ذاته انتصارا. فإن تحقق النصر كان ذلك أفضل، وإن قُتل الجميع فقد ساروا على طريق الحسين ولحقوا به.
وفي هذا السياق تنتشر مقولات دينية عديدة تُستخدم في تعبئة المجتمع، من بينها العبارة المنسوبة للإمام علي: “بقية السيف أنمى عددا وأكثر ولدا”، وهي مقولة تُفهم باعتبارها دعوة إلى عدم الخشية من الموت أو الخسائر البشرية، إذ إن الحروب لا تبيد النسل بل قد تزيده عبر أبناء وبنات الشهداء الذين يُنظر إليهم بوصفهم “بقية السيف”.
كما تتردد مقولة منسوبة للإمام الحسين تقول: “إن كان دين محمد لن يستقيم إلا بقتلي، يا سيوف خذيني”.
وتذكر بعض كتب التراث الشيعي أن النصر “رفرف فوق رأس الحسين يوم عاشوراء، وخُير بين النصر أو الشهادة فاختار الشهادة”، باعتبارها انتصارا حقيقيًا للرسالة.






