تُشكّل الدبلوماسية الفلسطينية أحد الأعمدة الأساسية في النضال الوطني، حيث لم تعد مقتصرة على الوظيفة التقليدية في تمثيل الكيانات السياسية، بل تجاوزتها لتكون أداة استراتيجية في نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم، والدفاع عنها في مختلف المحافل الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
لقد أدركت القيادة الفلسطينية، منذ انطلاقة المشروع الوطني المعاصر بقيادة ياسر عرفات، أن المعركة مع الاحتلال لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالكلمة، وبالقدرة على إقناع العالم بعدالة القضية الفلسطينية، وتفكيك الرواية الصهيونية في الفضاء الدولي. ومن هنا برز دور السفراء الفلسطينيين كحراس للهوية الوطنية، وحملة للوعي التاريخي والسياسي.
إن السفير الفلسطيني ليس مجرد ممثل لدولة، بل هو ممثل لقضية شعب ما زال يناضل من أجل حريته وحقه في تقرير مصيره. وهنا تتجلى أهمية وعي السفير وثقافته السياسية، وقدرته على الفصل بين ذاته الشخصية والقضية التي يحملها؛ فالدبلوماسي الناجح هو الذي يذيب ذاته في قضيته، لا أن يجعل القضية امتداداً لذاته.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الدكتور سمير الرفاعي إلى جانب السفير عطا الله خيري كنموذجين للدبلوماسية الهادئة والفاعلة. فقد استطاعا، من خلال حضورهما المتزن وفكرهما العميق، أن يقدما القضية الفلسطينية بلغة عقلانية مؤثرة، بعيداً عن الشعاراتية والانفعال، مع الحفاظ على ثبات الموقف الوطني وصلابته.
لقد مثّل كل من سمير الرفاعي وعطا الله خيري نموذجاً للدبلوماسي الذي يدرك أن المعركة في الساحة الدولية هي معركة رواية وشرعية، وأن كسب الرأي العام العالمي لا يتم بالصوت المرتفع، بل بالحجة، وبالقدرة على مخاطبة الضمير الإنساني العالمي. فكان حضورهما يعكس توازناً دقيقاً بين الانتماء الوطني والاحتراف الدبلوماسي.
كما تجلت أهمية دورهما في بناء جسور التواصل مع مختلف الدول والمؤسسات الدولية، وتوضيح أبعاد القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني، لا مجرد نزاع سياسي عابر. وهذا ما أسهم في تعزيز مكانة فلسطين في النظام الدولي، وترسيخ حضورها كقضية عادلة في الوعي العالمي.
إن الدبلوماسية الفلسطينية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بأن تكون على مستوى التحديات، من خلال إعداد كوادر دبلوماسية تمتلك المعرفة العميقة، والقدرة التحليلية، والوعي التاريخي، إلى جانب الإيمان الراسخ بعدالة القضية. فالسفير الفلسطيني يجب أن يكون مفكراً بقدر ما هو دبلوماسي، ومناضلاً بقدر ما هو ممثل رسمي.
وفي الختام، ليست الدبلوماسية الفلسطينية ترفاً سياسياً، بل هي شكل متقدم من أشكال الاشتباك الحضاري على المعنى والشرعية. هنا تتجاوز الكلمة وظيفتها اللغوية لتغدو فعلاً تاريخياً يعيد إنتاج الوعي ويعيد توزيع موازين القوة الرمزية. وفي هذا الأفق، تتجلى القدرة التحليلية للدكتور صالح الشقباوي بوصفها ممارسة معرفية تتقاطع فيها اللغة مع الفعل، والفكر مع التأثير. إن النص الدبلوماسي الواعي لا يصف الواقع بل يعيد تشكيله، ولا يواكب الحدث بل يسبق تأويله. ومن يظن أن الطلقة أكثر أثراً من الكلمة، يغفل أن كل طلقة تبحث عن معنى يبررها، وأن الكلمة، حين تبلغ شرطها المعرفي والتاريخي، تصبح هي الأصل، وما عداها مجرد صدى.









