الدعم الأمريكي لاستئناف حرب غزة يفاقم فرص ضم الضفة

فادي أبوبكر

تداولت الصحف والمواقع العالمية في بداية شهر آذار/مارس 2025، تهديدات إسرائيل باستئناف الحرب على غزة، مما أثار قلقاً واسعاً بشأن مصير سكان القطاع. وأفادت بعض التقارير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتعرض لضغوط للإعلان عن ملكية إسرائيل للضفة الغربية. وقد تجسّدت التهديدات الإسرائيلية في الواقع المأساوي مع بزوغ فجر الثلاثاء 18 آذار/مارس 2025، حيث استأنفت إسرائيل حرب الإبادة على غزة، وشنت غارات جوية مكثفة أسفرت عن استشهاد أكثر من 400 شهيد، من بينهم أكثر من 130 طفلاً، في جريمة حرب مكتملة الأركان على مرأى ومسمع العالم بأسره.

تواجه المستشفيات في القطاع انهياراً طبياً غير مسبوق بسبب العدد الكبير من الجرحى، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية نتيجة الحصار المستمر وإغلاق المعابر. كما أكدت إذاعة الجيش الإسرائيلي تشديد الحصار بإغلاق معبر رفح ومنع خروج المرضى للعلاج. وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل لم تتوقف لحظة عن خرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 19 كانون الثاني/يناير 2025، حيث تم رصد أكثر من 1000 انتهاك من قبل الاحتلال، أسفر عن استشهاد حوالي 150 شخصاً منذ إعلان الاتفاق.
يعدّ استئناف إسرائيل لحرب الإبادة ضد قطاع غزة امتداداً لسياسة إسرائيلية تقوم على الخداع والمفاجأة. وكما أشار الكاتب الإسرائيلي “ميخا جودمان”، فإن “إسرائيل تسعى لتقديم صورتين متناقضتين: واحدة أمام الغرب، حيث تظهر كدولة “أخلاقية” تحترم القوانين الدولية، وأخرى أمام دول الشرق الأوسط، حيث تبرز كدولة حازمة وعدوانية وغير متوقعة، بل متوحشة عندما يتطلب الأمر”. وما حدث فجر الثلاثاء كان تجسيداً عملياً لهذه الاستراتيجية، حيث نفذت إسرائيل عمليات قتل وتدمير بشعة، مستغلة الدعم الأمريكي غير المشروط الذي منح حكومة نتنياهو الضوء الأخضر لمواصلة حرب الإبادة ضد غزة، في تكرار لسياسات الاحتلال التي تعتمد على الخداع والدمار.

في مواجهة العدوان الإسرائيلي على غزة، لا يزال العالم يكتفي ببيانات الإدانة والشجب والاستنكار، وكأن التصريحات ستجلب الحماية وتوقف قصف المدافع والطائرات الحربية. فمنسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية مهند هادي، يصف الضربات الإسرائيلية بأنها “غير مقبولة”، وكأن المجازر السابقة كانت مجرد سوء تفاهم! والأكثر مرارة أن هذا التصريح الباهت يصدر عن مسؤول أردني الجنسية، وكأن الجغرافيا والتاريخ فقدا تأثيرهما أمام لغة الدبلوماسية الباردة!. ورغم امتلاك الدول العربية أدوات تأثير، إلا أن نفوذها يبقى محدوداً ما دامت المصالح الإسرائيلية محمية والاتفاقيات التطبيعية قائمة، وتعزز عجز المواقف الرسمية عن إحداث تغيير حقيقي.

كشف تحقيق نشرته صحيفة “هآرتس” في بداية عام 2025، مدعوماً باعترافات جنود إسرائيليين، عن الجرائم المنهجية التي يرتكبها جيش الاحتلال في محور نتساريم، حيث يتم إطلاق النار بشكل عشوائي على المدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، وتُترك جثثهم مكشوفة في العراء. كما تُعامل عمليات القتل داخل الجيش الإسرائيلي كسباق بين الوحدات العسكرية.

تُرسّخ هذه الاعترافات شهادات الإدانة الدولية، مؤكدة أن الجرائم ليست مجرد تجاوزات فردية، بل جزء من استراتيجية استيطانية ممنهجة تهدف إلى فرض السيطرة العسكرية وتهجير السكان. ولا تقتصر هذه السياسات على غزة فقط، بل تمتد إلى الضفة الغربية، حيث تتصاعد الاقتحامات والاعتقالات الجماعية وعمليات القتل والتدمير الممنهج للبنية التحتية وإحراق المنازل، خاصة في جنين وطولكرم ومخيماتها، ما أدى إلى نزوح واسع للسكان.

تعكس هذه الممارسات شراكة كاملة بين المؤسسة العسكرية وأجندة اليمين المتطرف الإسرائيلي، التي تسعى إلى ترسيخ استراتيجية الاستيطان من خلال القمع والتصفية، في تحدٍ صارخ للقوانين الدولية والإنسانية. وهذا يأتي بدعم أمريكي كامل، حيث لا يُستبعد أن يقوم ترامب في أي لحظة بالإعلان عن ملكية إسرائيل للضفة الغربية، على غرار إعلان القدس عاصمة موحدة لإسرائيل في ولايته السابقة، في تحدٍ صارخ للقوانين الدولية والإنسانية.

يواجه قطاع غزة استئنافاً لحرب الإبادة الإسرائيلية، التي تتم بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، في تصعيد خطير يسعى لفرض رؤى دولية تتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني. هذه الحرب، التي تُستخدم خلالها أيضاً المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار كأدوات للضغط والمساومة، تهدف إلى تقويض أي مقاومة فلسطينية مهما كان شكلها في سياق المساعي الحثيثة لاستكمال المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. ومع تفاقم التباينات الداخلية الفلسطينية، قد يسهّل ذلك على الثنائي الأمريكي الإسرائيلي استغلال هذه الانقسامات لتعميق تفتيت القضية الفلسطينية وتحقيق مخططاتهما على مستوى الجغرافيا الفلسطينية بشكل كامل.

رغم الجراح والتحديات التي يواجهها الشعب الفلسطيني، فإنه يظل متمسكاً بعزته وكرامته، رافضاً التنازل عن حقه في الحرية، ولن يُمنح الاحتلال والمتآمرون والمتخاذلون البراءة أو الغفران، فدماء الشهداء ستظل شاهداً على البطولة والتضحية من أجل الأرض والكرامة.

ويبقى الرهان على الشعب الفلسطيني الذي لا يعرف سوى خيار واحد: الصمود والثبات.

جريدة القدس