تبدو الولايات المتحدة الأمريكية، عبر القرارات والمواقف الجريئة التي تصدر عن إدارتها بقيادة رئيسها دونالد ترامب مناهضة لكل الاتفاقات والقوانين المبرمة بين دول العالم سواء تلك التي تتعلق بالدولة القومية، أو الوطنية، أو ذات الدور الفاعل على الصعيد العالمي، وهي هنا تحدث ثورة على مستوى بنيتها الداخلية، وتعيد تشكيل علاقتها الدولية بالقوة لصالحها، بحيث تحكم العالم عن بعد وتقوده من دون أي تكاليف.
هذا الأمر يحسب قي ظاهره على أنه اجتهاد سياسي من ترامب، على فيه من “شعبويّة ـ عالمثالثية” تتصدر خطابات ومواقف ترامب بشكل يَشِي بأنها الاختيار الأفضل للسيطرة، ولم يقابل هذا بأيّ رد فعل إلى الآن من دول العالم، بما فيها الكبرى عن الأفعال الترامبيّة، ومنها بوجه خاص الاعتداء على سيادة الدول كما هي الحال بالنسبة لفنزويلا، التي اختطف رئيسها نيكولاس مادورو، وتعمل الولايات المتحدة لأجل الاستيلاء على ثرواتها من النفط والغاز، غير مبالية بمصالح الدول الأخرى هناك، مثل: الصين وروسيا.
هذا الفعل الأمريكي ـ الترامبي يعدّ ثورة على المنجز السياسي الغربي لجهة إعادته إلى ما قبل نشوء الدولة القومية الحديثة، وفي ذلك خرق واضح لمعاهدة “ويستفاليا” للصلح عام 1648م، مما قد يدفع نحو عودة الحروب إلى فترة ما قبل ذلك التاريخ، وكانت دموية وعنيفة وبشعة.
لقد كان الهدف من تلك المعاهدة ـ كما هو معروف ــ المحافظة على القوميّات، ووضع أطر للعلاقات بين الدول وشعوبها، وتحديد علاقتها بالدول والقوميات الأخرى، وإنهاء حالة الصراعات والحروب، وترسيم حدود واضحة، وذلك استناداً إلى عدد من المبادئ، من أهمها مبدأ “السيادة”، الذي حدّد دور الدولة القومية، وهو المبدأ الذي يحاول الرئيس ترامب إنهاء فعاليته بالنسبة لكل دول العالم، وتثبيته في بلده فقط، مع يعني التخلي على الاتفاقات الدولية، والوضع الدولي الرّاهن، الذي هو بالأساس نتاج الغرب، وخاصة الأوروبي منه.
تثبيت ترامب لمبدأ السيادة لصالح بلاده فقط ـ على النحو الذي نراه في الوقت الحالي ــ اتّخذ شكلاً أحادياً من دون العودة إلى مؤسسات الدولة الأمريكية، وتلك محاولة منه لإبعاد تأثير “الدولة العميقة” على قراراته، الأمر الذي يجعل من تعويل القوى الأمريكية المختلفة على دورها، ودفع الرافضين لمواقف ترامب إلى تثوير دورهم، أو انتظار الدول العالم لها لكبح ترامب أمورا غير قابلة للتحقق.
والسؤال هنا: هل يسعى ترامب إلى إنهاء دور الدولة العميقة، أم يعيد تشكيلها بما يحقق رؤيته ومواقفه؟ الملاحظ هنا أن ترامب يصدر قراراته اليوم بناء على المعلومات الأمنية التي توفرها له الوكالة المركزية للاستخبارات الأمريكية (CIA)، التي أنشئت رسمياً في 26 يوليو(تموز) 1947م لتحلّ مكان مكتب الخدمات الاستراتيجية (OSS) الذي كان يعمل إبّان الحرب العالمية الثانية، بهدف تنسيق جهود الاستخبارات ومكافحة التجسس بعد الصراع مع الاتحاد السوفيتي. اعتماد ترامب في قراراته على الاستخبارات يعد حاجة لا خيار عنها ـ مثل كل دول العالم ـ لكن الإشكال قي توظيفه ليعض من جوانب الدولة العميقة بما يخدم قراراته، من ذلك أنها زودته الأيام القليلة الماضية ـ بمعلومات تفيد أن أي ضربة أمريكية لإسقاط النظام الحالي في إيران ستؤدي إلى تدمير الأسطول الخامس الأمريكي خلال أربع ساعات، كما جاء في تقارير إخبارية.
من ناحية أخرى، يراهن ترامب في تنفيذ قرارته وتطبيقها علانية على المؤسسة العسكرية، وهو جانب من قوة الدولة العميقة، لكنه لا ينتظر من المؤسسات الأخرى، مثل القضائية والإعلامية تحقيق ما يريده باستثناء تلك المؤيدة له، وهو بذلك لا يلغي دور الدولة العميقة، وإنما يريدها أن تكون جزءاً من رؤيته لحاضر أمريكا ومستقبلها، بغض النظر عن صواب مواقفه من عدمه، بحيث تغدو “دولة ترامبية عميقة”.
عن الامارات 24








