الدولة الثيوقراطية: حين تتحوّل المقدّسات إلى عتلةٍ للانهيار:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

هل الدولة الثيوقراطية قدرٌ تاريخيٌّ أم مأزقٌ بنيويٌّ محكومٌ بالتآكل؟
وهل استدعاء المقدّس إلى مجال السياسة يمنح السلطة شرعيةً مضاعفة، أم يزرع في صلبها بذور السقوط؟
إنّ التمعّن في البنية العميقة للدولة الثيوقراطية يكشف عن كيانٍ شديد الالتباس، يتقن تغيير جلده بحسب السياق، ويتلوّن وفق ميزان القوة والمصلحة؛ فهي، كما قيل، رتيلاء في جوهرها، حرباء في سلوكها. تبدو في لحظةٍ دولةَ شريعة، وفي أخرى دولةَ قانون، ثم لا تلبث أن ترتدي قناع الديمقراطية أو الليبرالية حين تقتضي الضرورة، دون أن تتخلّى فعليًا عن منطقها الجوهري القائم على الوصاية والاحتكار الرمزي للحقيقة.
الدولة الثيوقراطية، في أصل تعريفها، هي تلك التي تدّعي أنّ السلطة السياسية تستمدّ مشروعيتها من تفويضٍ إلهي، أو من تفسيرٍ حصري للنص المقدّس. وهنا يكمن مأزقها الأول: إذ يتحوّل المقدّس من أفقٍ قيميٍّ أخلاقي إلى أداة حكم، ومن مصدر للمعنى إلى جهاز ضبط وقمع. وقد نبّه باروخ سبينوزا مبكرًا إلى خطورة هذا التماهي، حين رأى أنّ خلط الدين بالسياسة لا يُفسد الدولة فحسب، بل يُفسد الدين نفسه، لأنّ الإيمان حين يُفرض يفقد جوهره الحرّ.
في هذا السياق، يمكن قراءة نماذج متباينة ظاهريًا، لكنها متشابهة بنيويًا:
من دولة الكيان الصهيوني التي تُصرّ على تعريف ذاتها بوصفها «دولة يهودية»، جاعلةً الهوية الدينية معيار المواطنة والحقّ السياسي، إلى تنظيمات متطرّفة كـ«داعش» التي سعت إلى إقامة دولة ثيوقراطية بالسيف والفتوى في بلاد الشام والعراق. الاختلاف في الأدوات لا يلغي وحدة الجوهر: السلطة حين تتدثّر بالمطلق، تُعفي نفسها من المساءلة.
إنّ العقل الثيوقراطي عقلٌ أبويٌّ بطبيعته؛ يفترض أنّ الشعب قاصر، وأنّ الجماعة لم تبلغ بعدُ سنّ الرشد التاريخي. ولذلك يقوم على منطق الوصاية لا الشراكة، وعلى الطاعة لا التعاقد. وقد رأى إيمانويل كانط أنّ الرشد هو خروج الإنسان من حالة القصور التي فرضها على نفسه، وأنّ أي سلطة تمنع هذا الخروج باسم الحقيقة أو الخلاص إنما تعيد إنتاج الاستبداد، مهما ادّعت الطهارة.
ولا تقف خطورة الدولة الثيوقراطية عند بعدها القمعي، بل تتجلّى أيضًا في ازدواجيتها البنيوية. فهي قادرة على القول ونقيضه دون أن ترى في ذلك تناقضًا: تعلن احترامها للعلم، ثم تُجيز الخرافة؛ تتحدّث عن العقل، ثم تُقدّس الأسطورة؛ تقرّ بالديمقراطية شكلًا، ثم تنقضها مضمونًا. وكأنّنا إزاء دولةٍ مصابة بما يشبه الفصام السياسي؛ حيث تتحوّل ازدواجية «جيكل وهايد» من حالة نفسية فردية إلى ظاهرة سيادية.
وقد عبّر ماكس فيبر عن هذه الإشكالية حين ميّز بين الشرعية الكاريزمية والشرعية القانونية–العقلانية. فالدولة الثيوقراطية تعيش على الأولى، على سحر النصّ ورهبة المقدّس، لكنها تفشل في الانتقال إلى الثانية، حيث القانون والمؤسسة والمساءلة. ولذلك فهي قادرة على خداع العالم لبعض الوقت، لكنها عاجزة عن اجتياز الاختبارات التاريخية الكبرى.
أما الفتاوى التي تصدر في ظل النظام الثيوقراطي، فتبدو وكأنّها صادرة عن مصدرٍ معصوم، بينما هي في الحقيقة نتاج سلطة بشرية تُمسك بالممحاة بيدٍ خفيّة، تمحو ما تشاء، وتُبقي ما يخدم لحظتها السياسية. وهنا يتحوّل الدين إلى نصٍّ قابل للتشكيل اللانهائي، وتصبح الحقيقة مطّاطة، تُعلن أنّ الأرض كروية ومستطيلة في آن، وأنّها تدور ولا تدور، وأنّ الخرافة يمكن أن تُقدَّم بوصفها معرفة، طالما أنّها تخدم السلطة.
وقد حذّر عبد الرحمن الكواكبي من هذا المسار حين رأى أنّ الاستبداد الديني أخطر من الاستبداد السياسي، لأنّه يُقدّم نفسه بوصفه ظلّ الله في الأرض، ويُلبس الطغيان لباس القداسة. كما نبّه محمد عابد الجابري إلى أنّ العقل الذي لا يفصل بين مجالي الغيب والتدبير الدنيوي محكوم بإعادة إنتاج الانغلاق والتخلّف.
إنّ الدولة الثيوقراطية لا تسقط فجأة، بل تتآكل من الداخل. تسقط حين تفقد قدرتها على الإقناع، وحين تتضخّم الفجوة بين خطابها وواقعها، وحين تنكشف دعواها الأخلاقية أمام امتحان العدالة والحرية. فالمقدّس، حين يُستعمل درعًا للسلطة، يتحوّل إلى عبءٍ عليها، ويغدو سببًا في سقوطها لا في نجاتها.
خلاصة القول:
ليست المشكلة في الإيمان، بل في تسييس الإيمان.
وليست في الدين، بل في ادّعاء امتلاكه.
فالدولة التي تبني شرعيتها على المطلق، إنما تحكم على نفسها بالهشاشة؛ لأنها تُغلق باب النقد، وتمنع التصحيح، وتخاصم التاريخ. وحيثما أُغلقت أسئلة العقل باسم السماء، بدأ العدّ التنازلي للسقوط.