جاري التحميل...

الدولة الفلسطينية: الجوهر الأخير للكينونة الدحلانِيّة قراءة فلسفية في الزمن والاستيلماس والإمكان الفلسطيني

بقلم: الدكتور صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع

ليست الدولة الفلسطينية، في القراءة الفلسفية للوجود الوطني، مجرد بنية سياسية أو نتيجة لمسار تفاوضي، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها الجوهر الأخير للكينونة الفلسطينية؛ أي اللحظة التي ينتقل فيها الوجود الفلسطيني من حالة الإمكان التاريخي إلى حالة التحقق السياسي.
ومن هنا أطرح مفهوم «الاستيلماس الدحلاني» بوصفه مفهوماً فلسفياً يقوم على دمج أبعاد الزمن الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، داخل كينونة واحدة منفتحة على ذاتها وعلى إمكاناتها. فالماضي هو الذاكرة والجذور والتجربة، والحاضر هو لحظة الفعل والقرار، أما المستقبل فهو مجال الإمكان الذي ينتظر أن يتحول إلى تحقق.
وعندما تنفتح هذه الأبعاد الثلاثة على بعضها، لا يعود الزمن مجرد تعاقب للثواني والأيام، بل يتحول إلى حركة وجودية دؤوبة نحو التحقق. وهنا يتولد الاستيلماس: أن يستلم الإنسان زمنه، وأن يحوّل الزمن من قوة تمر عليه إلى مجال يصنع فيه وجوده ومستقبله.
محمد دحلان والكائن المنغرس في زمن وطنه
في هذا الإطار، يمكن قراءة محمد دحلان بوصفه كائناً مندمجاً في زمن وطنه الفلسطيني؛ أي أن وعيه بذاته لا ينفصل عن وعيه بالزمن الفلسطيني، ولا عن التجربة الوطنية والفتحاوية التي تشكلت داخل هذا الزمن.
فالـكينونة الدحلانِيّة، وفق هذه القراءة، لا تتحقق خارج الزمن الفلسطيني، وإنما في داخله؛ في علاقته بالماضي الفلسطيني، وبالحاضر الذي يعيشه، وبالمستقبل الذي يتجه إليه.
ومن هنا يصبح الزمن عند دحلان ليس مجرد ماضٍ نتذكره، ولا حاضراً نعيشه، وإنما حركة مستمرة باتجاه المستقبل.
إن كل وجود، من منظور فلسفة الإمكان، هو إمكانية تنتظر التحقق. ولذلك فإن المستقبل ليس شيئاً يأتي إلينا من الخارج، بل هو إمكانية كامنة في الحاضر، تنتظر الفعل الإنساني الذي يحولها من الإمكان إلى الوجود.
وهنا تتحدد الفكرة المركزية: محمد دحلان هو مشروع وطني مرهون بتحققه المستقبلي؛ لأن قيمة المشروع لا تكمن فقط فيما أنجزه في الماضي، وإنما في قدرته على تحويل الإمكان الفلسطيني إلى تحقق تاريخي.
الاستيلماس: من الإمكان إلى التحقق
الاستيلماس الدحلانِي هو، في جوهره، عملية وصل بين الأزمنة.
الماضي يمنح الهوية ذاكرتها.
والحاضر يمنحها فعلها.
والمستقبل يمنحها إمكانها.
وعندما تتداخل هذه المستويات الثلاثة داخل كينونة واحدة، يتحول الزمن إلى مشروع وجود.
وهنا لا يعود المستقبل زمناً ننتظره، بل يصبح زمناً نعمل على إنتاج شروطه. ولا يصبح السؤال: متى تأتي الدولة الفلسطينية؟ وإنما: كيف نحول إمكانية الدولة إلى وجود تاريخي وسياسي؟
إن هذا التحول من الإمكان إلى التحقق هو جوهر الاستيلماس.
الدولة الفلسطينية: لحظة اكتمال الكينونة
إذا كان الوجود الفلسطيني قد عاش طويلاً في حالة من الإمكان التاريخي، فإن الدولة تمثل لحظة انتقال هذا الإمكان إلى التحقق.
فالدولة ليست مجرد حدود وعَلَم ومؤسسات؛ إنها، في هذه القراءة، لحظة إعلان الفلسطيني عن اكتمال حضوره في التاريخ السياسي.
وهنا يصبح مشروع الدولة هو الأفق الذي تتجه إليه حركة الزمن الفلسطيني كلها:
الماضي → الذاكرة
الحاضر → الفعل
المستقبل → الإمكان
الاستيلماس → وصل الأزمنة وتحويل الإمكان إلى تحقق
الدولة → جوهر التحقق السياسي للكينونة الفلسطينية
وبذلك تصبح الدولة الفلسطينية هي الجوهر الأخير للكينونة الدحلانِيّة؛ لأنها تمثل اللحظة التي يتوقف فيها المستقبل عن كونه مجرد احتمال، ويتحول إلى وجود سياسي ملموس.
من زمن الغروب إلى أفق الشروق
ومن هذه الزاوية الفلسفية، يمكن النظر إلى المرحلة السياسية الفلسطينية الراهنة بوصفها صراعاً بين زمنين: زمن يستنفد إمكاناته التاريخية، وزمن جديد يحاول أن يفتح أفقاً مختلفاً للمستقبل.
ومع كامل الاحترام والتقدير للرئيس محمود عباس، فإن نقد المرحلة التي قادها لا ينبغي أن يكون نقداً شخصياً، بل نقداً لمسار سياسي يرى الكاتب أنه استنفد الكثير من إمكاناته ولم يحقق، حتى الآن، الدولة الفلسطينية المنشودة.
وفي المقابل، يطرح محمد دحلان نفسه، في هذه القراءة، كإمكانية سياسية مرتبطة بالمستقبل؛ كـشروق قادم لا بمعنى أن المستقبل مضمون أو محسوم، وإنما بمعنى أن المشروع الدحلانِي يُقدَّم باعتباره مشروعاً يريد نقل الفلسطيني من حالة الانتظار إلى حالة الفعل، ومن الإمكان إلى التحقق.
وهنا تكمن فلسفة الاستيلماس:
أن لا ننتظر المستقبل، بل أن نعمل على استحضاره إلى الحاضر.
الخاتمة
إن فلسطين، في نهاية المطاف، ليست ماضياً فقط، وليست حاضراً فقط، وليست حلماً مؤجلاً في المستقبل.
فلسطين هي الأزمنة الثلاثة مجتمعة.
هي ذاكرة الشهداء والمناضلين، وهي فعل الإنسان الفلسطيني في حاضره، وهي الإمكانية التي تنتظر أن تتحول إلى دولة.
ومن هنا فإن الاستيلماس الدحلانِي ليس مجرد مفهوم سياسي، بل محاولة فلسفية لفهم كيفية اجتماع الذاكرة والفعل والإمكان داخل كينونة فلسطينية واحدة.
وعندما يتحول الإمكان إلى تحقق، يصبح المستقبل وجوداً، ويصبح الوجود دولة.
وهنا تحديداً تكمن الدولة الفلسطينية بوصفها الجوهر الأخير للكينونة الدحلانِيّة: أن يتحول الوطن من إمكانية تاريخية إلى حقيقة سياسية، وأن يتحول المستقبل من زمن ننتظره إلى زمن نصنعه.
الدولة ليست نهاية فلسطين، بل لحظة اكتمال حضورها في التاريخ.