الدولة بين العقل والسلطة: جدلية المقدّس والحرية في بناء المعنى السياسي:

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

لم تعد الدولة في الفكر المعاصر مجرّد جهازٍ إداريٍّ لتنظيم الحياة العامة، ولا إطارًا قانونيًا لضبط العلاقات بين الأفراد، بل غدت مفهومًا فلسفيًا مركزيًا يتقاطع فيه السياسي بالأخلاقي، والوجودي بالمعرفي. فالدولة، في عمقها، ليست سوى مرآةٍ تعكس تصوّر الإنسان لذاته، ولموقعه في العالم، ولحدود حريته وإمكاناته. ومن هنا، فإنّ تأمّل الدولة هو، في جوهره، تأمّلٌ في الإنسان نفسه: في طبيعته، وفي حاجاته، وفي قدرته على إنتاج المعنى داخل الاجتماع البشري.
إشكالية المقال
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية محورية مفادها:
كيف يمكن للدولة أن تُحقّق التوازن بين العقل بوصفه مرجعية تنظيمية، والمقدّس بوصفه مرجعية قيمية، دون أن تنزلق إلى الاستبداد أو التفكك؟
وبصيغة أخرى: كيف يمكن بناء دولةٍ تحترم حرية الإنسان دون أن تُفرغ المجال العام من القيم، أو تُخضعه لسلطةٍ مطلقةٍ باسم الدين أو العقل؟
أولًا: الدولة كمفهوم فلسفي – من الضرورة إلى الإمكان
في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، تبرز الدولة بوصفها ضرورةً عقلية وأخلاقية لتنظيم الاجتماع الإنساني. ففي جمهورية أفلاطون، تُصوَّر الدولة باعتبارها تجسيدًا للعدالة، غير أنّ هذه العدالة تقوم على بنيةٍ هرمية صارمة، تُناط فيها السلطة بطبقة الحكماء، في تصورٍ يغلّب النظام على الحرية.
أما عند أرسطو، فتتخذ الدولة بُعدًا أكثر إنسانية، إذ تُفهم بوصفها فضاءً لتحقيق الكمال الأخلاقي للإنسان، حيث لا يكتمل وجوده إلا في إطار المدينة. وهنا، تنتقل الدولة من كونها أداةً للضبط إلى كونها أفقًا للتربية الأخلاقية.
غير أنّ التحوّل الحاسم يأتي مع الحداثة السياسية، حيث يعيد توماس هوبز تأسيس الدولة على فكرة العقد الاجتماعي، معتبرًا أنّ الإنسان يتنازل عن جزءٍ من حريته لصالح سلطةٍ مطلقة تضمن الأمن والاستقرار. وفي مقابل هذا التصور، يظهر كلٌّ من جون لوك وروسو ليؤسسا لفكرة الدولة بوصفها تعبيرًا عن الإرادة العامة، لا قيدًا عليها، ممّا مهّد لظهور مفهوم الدولة المدنية الحديثة.
ثانيًا: صراع المرجعيات – بين العقل والمقدّس
تتجلّى إحدى أعقد إشكاليات الدولة في التوتر القائم بين مرجعيتين: مرجعية العقل، ومرجعية المقدّس. ففي الدولة المدنية، يُعدّ العقل أساس التشريع والتنظيم، وتُبنى الشرعية على الإرادة الشعبية، في إطارٍ من التعددية والفصل بين السلطات.
أما في الدولة الثيوقراطية، فتنبع السلطة من تأويلٍ معيّنٍ للنص الديني، ما يفضي إلى احتكار الحقيقة، وتحويل السياسة إلى امتدادٍ للقداسة، حيث يُجرَّد الإنسان من حقه في الاختلاف، ويُقمع الاجتهاد باسم اليقين المطلق.
في هذا السياق، يحذّر سبينوزا من خطورة تديين السياسة، مؤكدًا أنّ حرية التفكير شرطٌ لبقاء الدولة نفسها. بينما يرى هيغل أنّ الدولة تجسيدٌ للعقل في التاريخ، وأنّ مشروعها يقوم على تحقيق الحرية عبر القانون، لا عبر الإكراه الميتافيزيقي. ويأتي كانط ليُعمّق هذا التصور، حين يجعل من خضوع الإنسان لقانونٍ يضعه بنفسه أساسًا للحرية الأخلاقية.
ثالثًا: الحرية والمقدّس – نحو إعادة تعريف العلاقة
لا يكمن التحدي الحقيقي في إقصاء المقدّس أو تمجيده، بل في إعادة تعريف العلاقة بينه وبين الحرية. فالدولة التي تُخضع الإنسان باسم الخلاص، تُفرغ الإيمان من معناه الأخلاقي، وتحوله إلى أداة قسر. في المقابل، فإنّ الدولة التي تُقصي كلّ بُعدٍ قيميٍّ بدعوى الحياد، تُفرغ الإنسان من عمقه الروحي.
من هنا، تبرز أهمية الطرح الذي قدّمه علي عبد الرازق، حين فصل بين النبوة بوصفها رسالةً روحية، والخلافة بوصفها نظامًا سياسيًا تاريخيًا. كما يؤكد تشارلز تايلور أنّ الحداثة السياسية لا تُلغي المقدّس، بل تعيد تموضعه في المجال الشخصي الحر، بعيدًا عن الاحتكار السلطوي.
رابعًا: الدولة المدنية – أفق إنتاج المعنى
في ظل التحولات العالمية الراهنة، حيث تتصاعد النزعات الشمولية والهويات المغلقة، تبرز الدولة المدنية بوصفها أفقًا مفتوحًا لإعادة بناء المعنى السياسي. فهي ليست مجرد صيغةٍ إجرائية للتعايش، بل مشروعٌ إنسانيٌّ يقوم على الاعتراف بالإنسان كفاعلٍ حر، قادرٍ على صناعة مصيره.
إنّ الدولة المدنية، في جوهرها، لا تعادي الدين، بل تحرّره من التوظيف السياسي، كما لا تُقصي العقل، بل تمنحه أفقًا أخلاقيًا. إنها صيغةٌ توازن بين الحرية والمسؤولية، بين الفرد والجماعة، بين العقل والقيم.
خاتمة
إنّ التفكير في الدولة هو، في نهاية المطاف، تفكيرٌ في شروط إمكان الحرية الإنسانية. فالدولة التي تنجح ليست تلك التي تفرض النظام فحسب، بل تلك التي تُنتج المعنى، وتُتيح للإنسان أن يكون ذاته دون خوفٍ أو إكراه.
ومن ثمّ، فإنّ التحدي الأكبر لا يكمن في اختيار نموذجٍ سياسيٍّ جاهز، بل في بناء إنسانٍ قادرٍ على ممارسة الحرية بوصفها مسؤولية، وعلى تحويل الدولة من أداة سلطة إلى فضاءٍ للمعنى.