جاري التحميل...

الديالكتيك الصهيوني وضرورة قلبه رأساً على عقب: من لاهوت أرض الميعاد إلى أنطولوجيا العيش المشترك

 

بقلم: د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2

لا يمكن فهم الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بعيداً عن البنية الديالكتيكية التي حكمت تطور الفكر الصهيوني منذ نشأته. فالديالكتيك، كما صاغه الفيلسوف الألماني غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل، ليس مجرد جدل منطقي، بل هو حركة التاريخ ذاته، تقوم على ثلاثية: الفكرة، ونقيضها، ثم التركيب. ومن خلال هذه الحركة ينتقل الوعي من مرحلة إلى أخرى حتى يبلغ شكلاً جديداً من الحقيقة التاريخية.
لقد استثمر الفكر الصهيوني هذه الآلية الجدلية، لكنه أعاد توجيهها نحو غاية سياسية وتاريخية محددة، تتمثل في بناء شرعية فلسفية ودينية لمشروع الدولة اليهودية في فلسطين. ومن هنا يصبح من الضروري إعادة قراءة هذا الديالكتيك، وقلبه رأساً على عقب، ليس بهدف إلغاء أحد الطرفين، وإنما بهدف تحريره من بنيته اللاهوتية المغلقة وإدخاله في فضاء التاريخ والواقع والإنسان.
لقد أسهم عدد من المنظرين الصهاينة، ومنهم زئيف جابوتينسكي، وأحاد هعام، وإسرائيل بن إليعازر (بعل شيم طوف)، بدرجات متفاوتة، في بناء مرتكزات فكرية أثرت في تطور الفكر الصهيوني. ويُقدَّم جابوتينسكي في كثير من الأدبيات بوصفه من أبرز منظري الصهيونية التصحيحية، حيث ربط المشروع القومي اليهودي بفكرة القوة السياسية والأمن، كما استندت بعض الخطابات الصهيونية إلى قراءة دينية تعتبر الوعد الإلهي لإبراهيم جزءاً من مبرراتها الفكرية. غير أن هذا التوظيف للنصوص الدينية يبقى محل جدل فلسفي وتاريخي واسع، ولا يمثل أساساً مقبولاً عالمياً لتقرير الحقوق السياسية أو القانونية.
إن ما يميز هذه الدينامية الفكرية هو أنها تجعل حركة العقل متجهة نحو غاية واحدة سابقة على التاريخ، هي امتلاك الأرض، بحيث يصبح التاريخ نفسه مجرد وسيلة لتحقيق فكرة جاهزة، لا مجال لمراجعتها أو إخضاعها للنقد.
وهنا يبدأ التناقض الحقيقي بين الديالكتيك الفلسطيني والديالكتيك الصهيوني. فالأول ينطلق من تجربة تاريخية ومعيشة مرتبطة بالوجود الإنساني على الأرض، بينما يستند الثاني، في بعض صوره الأيديولوجية، إلى تصورات لاهوتية ومثيولوجية تمنح الامتلاك بعداً مطلقاً يتجاوز معايير التاريخ والقانون.
ومن هنا فإن المهمة الفلسفية اليوم لا تكمن في إنتاج ديالكتيك جديد للصراع، وإنما في نقل الديالكتيك من عالم الأفكار المطلقة إلى عالم التاريخ، ومن الثيولوجيا والمثيولوجيا إلى الأنطولوجيا الاجتماعية والسياسية المعاصرة. فالواقع لا يُبنى على الأساطير، وإنما على الإنسان، وعلى الزمن، وعلى التجربة التاريخية المشتركة.
إن المكان هو التناقض المركزي في هذا الصراع. فهو ليس مجرد رقعة جغرافية، بل يمثل وعاء الهوية والذاكرة والانتماء. ولذلك فإن استمرار النظر إليه باعتباره ملكاً حصرياً لطرف واحد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بصورة لا تنتهي.
إن تجاوز هذا التناقض يقتضي الاعتراف بأن هذه الأرض تحمل تاريخ شعبين، وأن أي فلسفة سياسية مستقبلية لا يمكن أن تقوم على إنكار وجود الآخر أو نفيه، بل على الاعتراف المتبادل بالكرامة والحقوق، والاحتكام إلى القانون الدولي والواقع التاريخي.
فالديالكتيك الجديد المطلوب ليس ديالكتيك الإلغاء، بل ديالكتيك الاعتراف. وليس ديالكتيك الهيمنة، بل ديالكتيك الشراكة. وهو ديالكتيك يسعى إلى التوفيق بين مفهوم الوطن ومفهوم الدولة، وبين الهوية الوطنية والحقوق السياسية، ضمن إطار يضمن الأمن والكرامة والحرية للجميع.
وفي هذا السياق، فإن مستقبل المنطقة قد يرتبط بقدرة القوى السياسية على تجاوز الرؤى الإقصائية، والانفتاح على مقاربات تؤمن بأن السلام والاعتراف المتبادل أكثر قدرة على ضمان الاستقرار من منطق الصراع الدائم. وإذا نجحت التيارات التي تدعو إلى التسوية والتعايش في تعزيز حضورها، فقد يفتح ذلك المجال أمام إعادة بناء العلاقة الفلسطينية–الإسرائيلية على أسس جديدة، يكون فيها التاريخ مجالاً للتعلم لا لإعادة إنتاج المآسي.
إن قلب الديالكتيك الصهيوني لا يعني قلبه ضد اليهود أو ضد إسرائيل، بل يعني تحريره من احتكار الحقيقة المطلقة، وإعادته إلى منطق التاريخ والواقع والإنسان. وهناك فقط يصبح ممكناً الانتقال من فلسفة الصراع إلى فلسفة الاعتراف، ومن أنطولوجيا الإقصاء إلى أنطولوجيا العيش المشترك، ومن أسطورة الامتلاك المطلق إلى حقيقة الشراكة الإنسانية على أرض واحدة