برز مفهوم الديمقراطية التوافقية خلال العقود الأخيرة بوصفه محاولة لتجاوز أزمات الديمقراطية التمثيلية في المجتمعات غير المتجانسة. وهي ليست نقيضًا للديمقراطية التمثيلية، بل تطويرًا لها، يقوم على تقليص منطق الصراع بين الأغلبية والأقلية، وتعويضه بمنطق التوافق والمشاركة الجماعية في السلطة.
تتميّز الديمقراطية التوافقية بإشراك مكوّنات المجتمع كافة في صنع القرار، ولا تكتفي بالأغلبية العددية معيارًا وحيدًا للحكم، بل تضيف إليها معيار التوافق، بما يضمن تمثيل المصالح والخصوصيات المتعددة داخل المجتمع الواحد. وقد أسهم المفكر الهولندي آرند ليبهارت في بلورة هذا النموذج، خصوصًا في كتابه المرجعي «الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدّد».
ويحدّد ليبهارت أربعة عناصر رئيسية تميّز الديمقراطية التوافقية:
حكومة ائتلافية واسعة تضم قوى الأغلبية والأقلية، ما يجعل صنع القرار بطيئًا نسبيًا لكنه أكثر شمولًا.
التمثيل النسبي في المؤسسات والإدارات، بما يضمن عدالة التمثيل وإن كان أحيانًا على حساب الكفاءة.
الإدارة الذاتية للشؤون الخاصة بكل جماعة، بما يعترف بالتنوّع الثقافي والخصوصيات.
حق الفيتو المتبادل لمنع احتكار القرار، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر التعطيل.
وقد طُبّق هذا النموذج بنجاح نسبي في دول مثل سويسرا وبلجيكا وهولندا والنمسا وكندا، حيث أسهم في تقليص النزاعات الداخلية وتعزيز الاستقرار السياسي في مجتمعات متعدّدة الهويات.
غير أنّ نجاح الديمقراطية التوافقية يبقى مشروطًا بتوافر قدر عالٍ من الوعي السياسي، وروح الاعتدال، واستعداد النخب للتنازل المتبادل حفاظًا على وحدة الدولة.
حدود الديمقراطية التوافقية: النقد، الإخفاقات، والسياق العربي
رغم ما تحمله الديمقراطية التوافقية من وعود، فقد تعرّضت لانتقادات جدّية، لا تتعلّق بطابعها الديمقراطي، بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار السياسي طويل الأمد. إذ يرى بعض الباحثين، مثل إريك نوردلينغر، أنّ هذا النموذج قد يشجّع على تفكيك الدولة، خصوصًا حين يقترن بنظم فيدرالية تمنح استقلالًا ذاتيًا واسعًا للقطاعات المختلفة.
وقد أظهرت التجربة أنّ الديمقراطية التوافقية تعثّرت أو فشلت في عدد من دول العالم الثالث، مثل لبنان وقبرص ونيجيريا وبعض الدول الإفريقية، بسبب التدخلات الخارجية، وغياب ثقافة الحلول الوسط، وتحوّل التوافق إلى محاصصة جامدة تُعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه.
من منظور أنثروبولوجي، كما يبيّن مالينوفسكي وروث بندكت وكليفورد غيرتز، فإنّ الروابط الدينية والقرابية والإثنية في المجتمعات التقليدية تُشكّل هويات عميقة ومتجذّرة، يصعب تفكيكها عبر آليات سياسية سريعة. وهو ما يفسّر صعوبة تحقيق ديمقراطية مستقرة في مجتمعات تعيش الانقسام أكثر مما تعيش التنوّع.
لذلك، لا يمكن النظر إلى الديمقراطية التوافقية بوصفها بديلًا نهائيًا للديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية، بل كـ آلية انتقالية لبناء الثقة بين المكوّنات المتصارعة، ريثما تتوفّر الشروط الثقافية والاجتماعية لديمقراطية مدنية راسخة.
وفي السياق العربي، تظلّ الإشكالية الكبرى كامنة في غياب الدولة الوطنية الجامعة، وهيمنة الهويات ما قبل الوطنية، ما يجعل أي نموذج ديمقراطي، تمثيليًا كان أم توافقيًا، عرضة للتشويه ما لم يُدعَم بمشروع ثقافي ومعرفي يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة.






